فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 627

والضمير في قوله {سَمِعُواْ} يعود على الذين قالوا إنا نصارى بعد أن عرفوا الحق وآمنوا به.

أي، أن من صفات هؤلاء الذين قالوا إنا نصارى زيادة على ما تقدم، أنهم إذا سمعوا ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرآن تأثرت قلوبهم. وخشعت نفوسهم وسالت الدموع من أعينهم بغزرة وكثرة من أجل ما عرفوه من الحق الذي بينه لهم القرآن الكريم بعد أن كانوا غافلين عنه.

وفي التعبير عنهم بقوله: {ترى} الدالة على الرؤية البصرية والتي هي أقوى أسباب العلم الحسي، مبالغة في مدحهم، حيث يراهم الرائي وهم على تلك الصورة من رقة القلب وشدة التأثر عند سماع الحق.

فلقد كانوا يحسون أنهم في ظلام وضلال فلما سمعوا الحق أشرقت له نفوسهم ودخلوا في نوره وهدايته وأعينهم تتدفق بالدموع من شدة تأثرهم به وحبهم له.

وقوله {تَفِيضُ} من الفيض وهو انصباب عن امتلاء: يقال فاض الإِناء إذا امتلأ حين سال من جوانبه.

وقد أجاد صاحب الكشاف في تصوير هذا المعنى فقال:

«فإن قلت» : ما معنى قوله: {تَفِيضُ مِنَ الدمع} قلت: معناه تمتلئ من الدمع حتى تفيض، لأن الفيض أن يمتلئ الإِناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه. فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الامتلاء وهو من إقامة المسببب مقام السبب، أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها. أي: تسيل من الدمع من أجل البكاء من قولك: دمعت عينه دمعا.

«فإن قلت» : أي فرق بين من ومن في قوله: {مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق} ؟

قلت: الأولى لابتداء الغاية على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق وكان من أجله وبسببه، والثانية لتبيين الموصول الذي هو ما عرفوا وتحتمل معنى التبعيض على أنهم عرفوا بعض الحق، فأبكاهم وبلغ منهم فكيف إذا عرفوه كله وقرأوا القرآن وأحاطوا بالسنة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت