(إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ(7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8)
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : - قوله تعالى: هنا {سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} مع قوله تعالى في سورة القصص {لعلي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ} كالمتدافعين. لأن أحدهما ترج، والآخر تيقن. قلت: قد يقول الراجى إذا قوى رجاؤه: سأفعل كذا، وسيكون كذا، مع تجويزه الخيبة.
«فإن قلت» : كيف جاء بسين التسويف - هنا -؟
قلت: عدة لأهله أنه يأتيهم وإن أبطأ، أو كانت المسافة بعيدة.
«فإن قلت» : فلم جاء بأو دون الواو؟
قلت: بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه جميعًا لم يعدم واحدة منهما: إما هداية الطريق، وإما اقتباس النار، ثقة بعادة الله أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده.
ثم بين - سبحانه - ما حدث لموسى عندما اقترب من النار فقال: {فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النار وَمَنْ حَوْلَهَا. .} و {أَن} هنا مفسرة، لما في النداء من معنى القول.
وقوله: {بُورِكَ} من البركة، بمعنى ثبوت الخير وكثرته. والخير هنا يتمثل في تكليم الله تعالى لنبيه موسى. وفي ندائه له. وتشريفه برسالته، وتأييده بالمعجزات.
والمراد بمن في النار: من هو قريب منها، وهو موسى - عليه السلام -.
والمراد بمن حولها: الملائكة الحاضرون لهذا النداء، أو الأماكن المجاورة لها.
أى: فلما وصل موسى - عليه السلام - إلى القرب من مكان النار، نودى موسى من قبل الله - عز وجل - على سبيل التكريم والتحية: أن قُدس وطهر واختير للرسالة من هو بالقرب منها وهو موسى - عليه السلام - ومن حولها من الملائكة، أو الأماكن القريبة منها.
قال الآلوسي:"قوله: {مَن فِي النار وَمَنْ حَوْلَهَا} ذهب جماعة إلى أن في الكلام مضافا مقدرًا في موضعين. أي: من في مكان النار، ومن حول مكانها قالوا: ومكانها البقعة التي حصلت فيها، وهي البقعة المباركة، المذكورة في قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَتَاهَا} أي: النار - {نُودِيَ مِن شَاطِىءِ الوادي الأيمن فِي البقعة المباركة مِنَ الشجرة. .} وقيل: من في النار: موسى - عليه السلام -، ومن حولها: الملائكة الحاضرون. . . وقيل الأول الملائكة، والثاني موسى، واستغنى بعضهم عن تقدير المضاف بجعل الظرفية مجازًا عن القرب التام. . . وأيا ما كان فالمراد بذلك بشارة موسى - عليه السلام -".
وقال الشوكاني:"ومذهب المفسرين أن المراد بالنار - هنا - النور".
وقوله تعالى: {وَسُبْحَانَ الله رَبِّ العالمين} من تتمة النداء، وخبر منه تعالى لموسى بالتنزيه. لئلا يتوهم من سماع كلامه تعالى التشبيه بما للبشر من كلام.