وجملة {صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} بدل من الصراط المستقيم.
ولم يقل: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم مستغنيًا عن ذكر الصراط المستقيم، ليدل أن صراط هؤلاء المنعم عليهم هو الصراط المستقيم.
وقال: {صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ولم يقل صراط الأنبياء أو الصالحين، ليدل على أن الدين في ذاته نعمة عظيمة، ويكفى للدلالة على عظمتها إسنادها إليه تعالى في قوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} لأن المراد بالإِنعام هنا - على الراجح - الإِنعام الدينى. فالمنعم عليهم هم من عرفوا الحق فتمسكوا به، وعرفوا الخير فعملوا به.
قال بعض العلماء:"وإنما اختار في البيان أن يضيف الصراط إلى المنعم عليهم لمعنيين:"
أولهما: هو إبراز نفسية المحب المخلص، وأنه يكون شديد الاحتياط دقيق التحرى عن الطريق الموصل إلى ساحة الرضا في ثقة تملأ نفسه، وتفعم قلبه، ولا يجد في مثل هذا المقام ما يملأ نفسه ثقة إلا أن يبين الطريق، بأنه الطريق الذي وصل بالسير عليه من قبله الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون.
وثانيهما: أن من خواطر المؤمل في نعيم ربه أن يكون تمام أنسه في رفقة من الناس صالحين، وصحب منهم محسنين).
وقوله تعالى {غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم} بدل من {الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} وأتى في وصف الإِنعام بالفعل المسند إلى الله تعالى فقال: {أنعمت عليهم} في وصف الغضب باسم المفعول فقال: {غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم} وفي ذلك تعليم لأدب جميل، وهو أن الإِنسان يجمل به أن يسند أفعال الإِحسان إلى الله، ويتحامى أن يسند إليه أفعال العقاب والابتلاء، وإن كان كل من الإِحسان والعقاب صادرًا منه، ومن شواهد هذا قوله تعالى حكاية عن مؤمنى الجن {وَأَنَّا لاَ ندري أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأرض أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} وحرف (لا) في قوله {وَلاَ الضآلين} جيء به لتأكيد معنى النفى المستفاد من كلمة غير. والمراد بالمغضوب عليهم اليهود. وبالضالين النصارى. وقد ورد هذا التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رواه الإِمام أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه.
ومن المفسرين من قال بأن المراد بالمغضوب عليهم من فسدت إرادتهم حيث علموا الحق ولكنهم تركوه عنادًا وجحودا، وأن المراد بالضالين من فقدوا العلم فهم تائهون في الضلالات دون أن يهتدوا إلى طريق قويم.
وقدم المغضوب عليهم على الضالين، لأن معنى المغضوب عليهم كالضد لمعنى المنعم عليهم، ولأن المقابلة بينهما أوضح منها بين المنعم عليهم والضالين، فكان جديرًا بأن يوضع في مقابلته قبل الضالين.