الضمير المنصوب في قوله تعالى {أَنزَلْنَاهُ} يعود إلى القرآن الكريم، وفي الإِتيان بهذا الضمير للقرآن، مع أنه لم يجر له ذكر، تنويه بشأنه، وإيذان بشهره أمره. حتى إنه ليُسْتَغْنَى عن التصريح به، لحضوره في أذهان المسلمين.
والمراد بإنزاله: ابتداء نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه من المعروف أن القرآن الكريم، قد نزل على النبي صلى الله عليه سولم منجما، في مدة ثلاث وعشرين سنة تقريبا.
ويصح أن يكون المراد بأنزلناه، أي: أنزلناه جملة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك منجما على النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الإِمام ابن كثير: قال ابن عباس وغيره: أنزل الله تعالى القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع، في ثلاث وعشرين سنة، على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والقَدْر الذي أضيفت إليه الليلة، بمعنى الشرف والعظمة، مأخوذ من قولهم: لفلان قدر عند فلان، أي: له منزلة رفيعة، وشرف عظيم، فسميت هذه الليلة بذلك، لعظم قدرها وشرفها، إذ هي الليلة التي نزل فيها قرآن ذو قدر، بواسطة ملك ذى قدر، على رسول ذى قدر، لأجل إكرام أمه ذات قدر، هذه الأمة يزداد قدرها وثوابها عند الله تعالى إذا ما أحيوا تلك الليلة بالعبادات والطاعات.
ويصح أن يكون المراد بالقدر هنا: التقدير، لأن الله تعالى يقدر فيها ما يشاء تقديره بعباده، إلا أن القول الأول أظهر، لأن قوله - سبحانه - بعد ذلك: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القدر} يفيد التعظيم والتفخيم.
أى: إنا ابتدأنا بقدرتنا وحكمتنا، إنزال هذا القرآن العظيم، على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر، التي لها ما لها عندنا من قدر وشرف وعظم. . لأن للطاعات فيها قدرا كبيرا، ثوابا جزيلا.
وليلة القدر هذه هي الليلة التي قال الله تعالى في شأنها في سورة الدخان: {إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ. فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. أَمْرًا مِّنْ عِنْدِنَآ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السميع العليم} وهذه الليلة هي من ليالى شهر رمضان، بدليل قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهدى والفرقان} قال بعض العلماء: ومن تسديد ترتيب المصحف، أن سورة القدر وضعت عقب سورة العلق، مع أنها أقل عددَ آياتٍ من سورة البينة وسور بعدها، وكأن ذلك إيماء إلى أن الضمير في {أنزلناه} يعود إلى القرآن، الذي ابتدئ نزوله بسورة العلق.
وقال صاحب الكشاف: عظم - سبحانه - القرآن من ثلاثة أوجه: أحدها: أن أسند إنزاله إليه، وجعله مختصا به دون غيره، والثاني: أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر، شهادة له بالنباهة والاستغناء عن التنبيه عليه، والثالث: الرفع من مقدار الوقت الذي أنزل فيه.