وأصل الحور: شدة البياض والصفاء، ومنه قولهم في خالص لباب الدقيق: الحوارى، وفي النساء البيض الحسان: الحواريات والحوريات.
وسمى الله تعالى أصفياء عيسى وأنصاره بذلك لشدة إخلاصهم له، وطهارة قلوبهم من الغش والنفاق، فصاروا في نقائهم وصفائهم كالشيء الأبيض الخالص.
والأنصار: جمع نصير، وهو من ينصر غيره نصرا شديدا مؤزرا.
والمراد بنصر الله تعالى: نصر دينه وشريعته ونبيه الذي أرسله بالهدى، وديم الحق.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: كونوا أنصارًا لله.
والمعنى: يا من آمنتم بالله تعالى حق الإيمان داوموا وواظبوا على أن تكونوا أنصارًا لدين الله في كل حال، كما كان الحواريون كذلك، عندما دعاهم عيسى - عليه السلام - إلى نصرته والوقوف إلى جانبه.
فالكلام محمول على المعنى، والمقصود منه حض المؤمنين على طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعلى الاستجابة التامة لما يدعوهم إليه، كما فعل الحواريون مع عيسى، حيث ثبتوا على دينهم، وصدقوا مع نبيهم، دون أن تنال منهم الفتن أو المصائب.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : ما وجه صحة التشبيه - وظاهره تشبيه كونهم أنصارًا بقول عيسى {مَنْ أنصاري إِلَى الله} .
قلت التشبيه محمول على المعنى، وعليه يصح، والمراد كونوا أنصار الله، كما كان الحواريون أنصار عيسى كذلك حين قال لهم: من أنصارى إلى الله.
«فإن قيل» : فما معنى قوله: {مَنْ أنصاري إِلَى الله} ؟
قلت: يجب أن يكون معناه مطابقا لجواب الحواريين: {نَحْنُ أَنصَارُ الله} والذي يطابقه أن يكون المعنى: من جندى متوجها إلى نصرة دين الله.
والاستفهام في قوله تعالى: {مَنْ أنصاري إِلَى الله} للحض على نصرته والوقوف إلى جانبه.
وأضافهم - عليه السلام - إليه، باعتبارهم أنصار دعوته ودينه.
وقوله: {إِلَى الله} متعلق بأنصارى، ومعنى"إلى"الانتهاء المجازى.
أى: قال عيسى للحواريين على سبيل الامتحان لقوة إيمانهم: من الجند المخلصون الذين أعتمد عليهم بعد الله تعالى في نصرة دينه، وفي التوجه إليه بالعبادة والطاعة وتبليغ رسالته. . .؟
فأجابوه بقولهم: نحن أنصار دين الله تعالى ونحن الذين على استعداد أن نبذل نفوسنا وأموالنا في سبيل تبليغ دعوته - عز وجل - ومن أجل إعلاء كلمته.