أي: ومن تسبب في إحيائها وصيانتها من العدوان عليها، كأن استنقذها مما يؤدي بها إلى الهلاك والأذى الشديد، أو مكن الحاكم من إقامة الحد على قاتلها بغير حق، من فعل ذلك فكأنما تسبب في إحياء الناس جميعا.
وفي هذه الجملة الكريمة أسمى ألوان الترغيب في صيانة الدماء، وحفظ النفوس من العدوان عليها، حيث شبه - سبحانه - قتل النفس الواحدة بقتل الناس جميعا، وإحياءها بإحياء الناس جميعا.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : كيف شبه الواحد بالجميع، وجعل حكمه كحكمهم؟
قلت: لأن كل إنسان يدلي بما يدلي به الآخر من الكرامة على الله، وثبوت الحرمة. فإذا قتل فقد أهين ما كرم على الله وهتكت حرمته، وعلى العكس. فلا فرق إذًا بين الواحد والجميع في ذلك.
«فإن قلت» : فما الفائدة في ذكر ذلك؟
قلت: نعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب وليشمئز الناس عن الجسارة عليها، ويتراغبوا في المحاماة على حرمتها، لأن المتعرض لقتل النفس إذا تصور قتلها بصورة قتل الناس جميعا، عظم ذلك عليه فثبطه - عن القتل - وكذلك الذي أراد إحياءها.
وقال الإِمام ابن كثير: قال الحسن وقتادة في قوله تعالى {أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا} . . إلخ.
هذا تعظيم لتعاطي القتل. قال قتادة: عظيم والله وزرها، وعظيم والله أجرها. وقيل للحسن: هذه الآية لنا كما كانت لبني إسرائيل؟
فقال: إي والذي لا إله غيره - هي لنا كما كانت لهم. وما جعل - سبحانه - دماءهم أكرم من دمائنا.
وعلى هذا التفسير الذي سرنا عليه يكون المراد بالنفس في قوله {أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا} : العموم أي: نفسا يحرم قتلها من بني الإِنسان.
وبعضهم يرى أن المراد نفس الإمام العادل، لأن القتل في هذه الحالة يؤدي إلى اضطراب أحوال الجماعة، وإشاعة الفتنة فيها. قال القرطبي: روى عن ابن عباس أنه قال: المعنى: من قتل نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياه بأن شد عضده ونصره، فكأنما أحيا الناس جميعا.
ويبدو لنا أن تفسير النفس بالعموم أولى، لأنه هو الذي عليه جمهور العلماء، ولأنه أدعى لحفظ الدماء الإِنسانية، وإعطائها ما تستحقه من صيانة واحترام.