وقد أجاد صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآية حيث يقول: قوله {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ} الضميران مفعولان يعني: وإذ يبصركم إياهم. {قَلِيلًا} حال، وإنما قللهم في أعينهم تصديقا لرؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وليعاينوا ما أخبرهم به فيزداد يقينهم ويجدوا ويثبتوا. . .
«فإن قلت» : الغرض من تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهر، فما الغرض من تقليل المؤمنين في أعينهم؟
قلت: قد قللهم في أعينهم قبل اللقاء، ثم كثرهم فيها بعده، ليجترئوا عليهم، قلة مبالاة بهم، ثم تفجؤهم الكثرة فيبهتوا يهابوا، وتقل شوكتهم، حير يرون ما لم يكن في حسابهم وتقديرهم، وذلك قوله
{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ العين} ولئلا يستعدوا لهم، وليعظم الاحتجاج عليهم فاستيضاح الآية البينة من قلتهم أولا، وكثرتهم آخرا.
ثم قال:
«فإن قلت» : بأى طريق يبصرون الكثير قليلا؟
قلت: بأن يستر الله عنهم بعضه بساتر، أو يحدث في عيونهم ما يستقلون به الكثير، كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين.
قيل لبعضهم: إن الأحول يرى الواحد اثنين - وكان بين يديه ديك واحد - فقال: ما لي لا أرى هذين الديكين أربعة.
وقوله - سبحانه - {لِيَقْضِيَ الله أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور} ما فعل من تقليل كل فريق في عين الآخر، ليقضى أمرا كان مفعولا، أي: ثابتا في علمه وحكمته، وهو نشوب القتال المفضى إلى انتصار المؤمنين، واندحار الكافرين وإلى الله وحده ترجع الأمور لا إلى إحد سواه، فإن كل شيء عنده بمقدار، ولأن كل شيء في هذا الكون بقضائه وقدره، وما من شيء إلا مصيره ومرده إليه.
قال بعض العلماء: ولا يقال إن قوله تعالى: {لِيَقْضِيَ الله أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} مكرر مع ما سبق، لأننا نقول: إن المقصود من ذكره أولا - في قوله: إذ أنتم بالعدوة الدنيا. . هو اجتماعهم بلا ميعاد ليحصل استيلاء المؤمنين على الكافرين، على وجه معجزة دالة على صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - والمقصود منه هنا بيان خارق آخر، وهو تقليلهم في أعين المشركين ثم تكثيرهم للحكم المتقدمة.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة حكت لنا جانبا من أحداث غزوة بدر بأسولب تصويرى بديع في استحضار لمشاهدها ومواقفها، وكشفت لنا عن جوانب من مظاهر قدرته الله، ومن تدبيره المحكم الذي كان فوق تدبير البشر، ومن تهيئة الاسباب الظاهرة والخفية التي أدت إلى نصر المؤمنين وخذلان الكافرين.