فهرس الكتاب

الصفحة 420 من 627

قال القرطبي - رحمه الله:

«فإن قيل» : قد افتتح غيرها أي: سورة الأنعام - بالحمد لله، فكان الاجتزاء بواحدة يغنى عن سائره؟

فالجواب أن لكل واحد منه معنى في موضعه، لا يؤدي عن غيره، من أجل عقده بالنعم المختلفة، و - أيضا - فلما فيه من الحجة في هذا الموضع على الذين هم بربهم يعدلون.

والمعنى: الحمد الكامل الشامل لله تعالى وحده، لأنه هو، الذي له ما في السماوات وما في الأرض، خلقا وملكا وتصرفا، بحيث لا يخرج شيء فيهما عن إرادته ومشيئته.

وقوله: وله الحمد في الآخرة، تنبيه إلى أن حمده - عز وجل - ليس مقصورا على الدنيا، بل يشمل الدنيا والآخرة.

فالمؤمنون في الدنيا على ما وهبهم من نعم الإِيمان والإِحسان، ويحمدونه في الآخرة على ما منحهم من جنة عرضها السماوات والأرض، ويقولون: {الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين} قال صاحب الكشاف: ولما قال - سبحانه: الحمد لله، ثم وصف ذاته بالإِنعام بجميع النعم الدنيوية، كان معناه: أنه المحمود على نعم الدنيا، تقول: احمد أخاك الذي كساك وحملك، تريد: احمده على كسوته وحملانه.

قوله تعالى: (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ)

قال الآلوسي: والفرق بين الحمدين مع كون نعم الدنيا ونعم الآخرة بطريق التفضل، أن الأول على نهج العبادة، والثاني على وجه التلذذ والاغتباط وقد ورد في الخبر أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس.

وقال الجمل:

«فإن قلت» : الحمد مدح للنفس، ومدحها مستقبح فيما بين الخلق، فما وجه ذلك؟

فالجواب: ان هذا المدح دليل على أن حاله تعالى بخلاف حال الخلق، وأنه يحسن منه ما يقبح من الخلق، وذلك يدل على أنه تعالى مقدس عن أن تقاس أفعاله، على أفعال العباد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت