فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 627

والضمير في قوله {يَسْأَلُونَكَ} يعود إلى بعض الصحابة الذين اشتركوا في غزوة بدر، وصح عود الضمير إليهم مع أنهم لم يسبق لهم ذكر، لأن السورة نزلت في هذه الغزوة، ولأن هؤلاء الذين اشتركوا فيها هم الذين يهمهم حكمها، ويعنيهم العلم بكيفية قسمتها.

قال الإِمام الرازي - ما ملخصه:

فإن قيل من هم الذين سألوا؟

فالجواب: إن قوله {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال} إخبار عمن لم يسبق ذكرهم، وحسن ذلك ههنا، لأنه في حالة النزول كان السائل عن هذا السؤال معلومًا فانصرف اللفظ إليهم. ولا شك أنهم كانوا أقوامًا لهم تعلق بالغنائم والأنفال، وهم أقوام من الصحابة اشتركوا في غزوة بدر.

والأنفال جمع نفل - بفتح النون والفاء - كسبب وأسباب - وهو في أصل اللغة من النفل - بفتح فسكون - أي: الزيادة، ولذا قيل للتطوع نافلة، لأنه زيادة عن الأصل وهو الفرض وقيل لولد الولد نافلة، لأنه زيادة على الولد. قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً}

قال الآلوسي: ثم صار النفل حقيقة في العطية، لأنها لكونها تبرعًا غير لازم كان زيادة، ويسمى به الغنيمة أيضا وما يشترطه الإِمام للغازي زيادة على سهمه لرأي يراه سواء أكان لشخص معين أو لغير معين، وجعلوا من ذلك ما يزيده الإِمام لمن صدر منه اثر محمود في الحرب كبراز وحسن إقدام، وغيرهما.

وإطلاقه على الغنيمة، باعتبار أنها زيادة على ما شرع الجهاد له وهو إعلاء كلمة الله، أو باعتبار أنها زيادة خص الله بها هذه الأمة، أو باعتبار أنها منحة من الله تعالى من غير وجوب.

ثم قال: ومن الناس من فرق بين الغنيمة والنفل بالعموم والخصوص. فقيل: الغنيمة ما حصل مستغنمًا سواء أكان بتعب أو بغير تعب، قبل الظفر أو بعده، والنفل ما كان قبل الظفر، أو ما كان بغير قتال وهو"الفئ".

والمراد بالأنفال هنا الغنائم كما روي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، وطائفة من الصحابة وغيرهم.

هذا، وجمهور العلماء على أن المقصود من سؤال بعض الصحابة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الأنفال - أي الغنائم - إنما هو حكمها وعن المستحق لها، فيكون المعنى:

يسألك بعض أصحابك يا محمد عن غنائم بدر كيف تقسم؟ ومن المستحق لها؟

قل لهم: الأنفال يحكم فيها بحكمه - سبحانه - وللرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو الذي يقسمها على حسب حكم الله وأمره فيها.

وفي هذه الإِجابة على سؤالهم تريبة حكيمة لهم - وهم في أول لقاء لهم مع أعداءهم حتى يجعلوا جهادهم من أجل إعلاء كملة الله. أما الغنائم والأسلوب وأعراض الدنيا التي تأتيهم من وراء جهاده فعليهم ألا يجعلوها ضمن غايتهم السامية من جهادهم، وأن يفوضوا الأمر فيها لله ورسوله عن إذعان وتسليم.

وبعض العلماء يرى أن السؤال للاستعطاء، وأن المراد بالأنفال ما شرط للغازي زيادة على سهمه، وأن حرف"عن"زائدة، أو هو بمعنى من، فيكون المعنى: يسألك بعض أصحابك يا محمد إعطاءهم الأنفعال التي وعدتهم بها زايدة على سهامهم فيها. قل لهم: الأنفال لله ولرسوله.

والذي نراه أن الرأي الأول أرجح وذلك لأمور منها:

1 -بعض الروايات التي وردت في أسباب نزول هذه الآية تؤيده تأييدًا صريحًا، ومن ذلك ما سبق أن ذكرناه عن عبادة بن الصامت أنه قال:"فينا معشر أصحاب بدر نزلت، حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا. فجعله إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم فقسمه بين المسلمين عن بواء".

2 -ولأن غزوة بدر كانت أول غزوة لها شأنها وأثرها بين المسلمين والكافرين، وكانت غنائهما الضخمة التي ظفر بها المؤمنون من المشركين، حافزًا لسؤال بعض المؤمنين رسولهم - صلى الله عليه وسلم - عن حكمها وعن المستحق لها.

3 -ولأن الجواب عن السؤال بقوله تعالى: {قُلِ الأنفال للَّهِ والرسول} يؤيد أن السؤال إنما هو عن حكم الأنفال وعن مصرفها، إذ أن هذا الجواب يفيد أن اختصاص أمرها وحكمها مرجعه إلى الله ورسوله دون تدخل أحد سواهما.

ولو كان السؤال للاستعطاء لما كان هذا جوابًا له، فإن اختصاص حكم ما شرط لهم بالله والرسول لا ينافى إعطاءه إياهم بل يحققه، لأنهم إنما يسألونه بموجب شطره لهم الصادر عنه بإذن الله تعالى لا بحكم سبق أيديهم إليهم أو نحو ذلك مما يخل بالاختصاص المذكور.

4 -ولأن قوله تعالى بعد ذلك {فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ. .} إلخ يؤيد أن السؤال عن حكم الأنفال ومصرفها بعد أن تنازعوا في شأنها، فهو - سبحانه - ينهاهم عن هذا التنازع، وبأمرهم بأن يصونوا أنفهسم عن كل ما يغضب الله. . . ولو كان السؤال للاستعطاء - بناء على ما شرطه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لبعض زيادة على سهامهم - لما كان هناك محذور يجب اتقاؤه، لأنهم لم يطلبوا من الرسول إلا ما وعدهم به وهذا لا محظور فيه.

5 -ولأن الآية الكريمة بمطوقها الواضح، وبتركيبها البليغ، وبتوجيهها السامي، تفيد أن السؤال إنما هو عن حكم الأنفال وعن المستحق لها. . أما القول بأن السؤال سؤال استعطاء وأن عن زائدة أو بمعنى من فهو تكلف لا ضرورة إليه.

والمعنى الواضح الجلى للآية الكريمة - كما سبق أن بينا: يسألك بعض أصحابك يا محمد عن غنائم بدر كيف تقسم، ومن المستحق لها؟

قل لهم: الأنفال لله يحكم فيها بحكمه، ولرسوله يقسمها بحسب حكم الله فيها، فهو - سبحانه - العليم بمصالح عباده، الحكيم في جميع أقواله وأفعاله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت