والمعنى: لا يستوي عند الله - تعالى - الذين قعدوا عن الجهاد لإِعلاء كلمة الحق دون أن يكون عندهم من الأعذار ما يمنعهم من ذلك، لا يستوي هؤلاء مع الذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. أما الين قعدوا عن الجهاد لأعذار تمنعهم عن مباشرته، فإن نيتهم الصادقة سترفع منزلتهم عند الله - تعالى - ، وستجعلهم في مصاف المجاهدين بأموالهم وأنفسهم أو قريبين منهم.
ويشهد لذلك ما رواه البخارى وأبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - وهو يسر إلى تبوك:"إن بالمدينة أقواما ما سرتم من سير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه. قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة قال: نعم حبسهم العذر".
قال ابن كثير: وفي هذا المعنى قال الشاعر:
يا راحلين إلى البيت العتيق لقد ... سرتم جسومًا وسرنا نحن أوراحا
إنا أقمنا على عذر وعن قدر ... ومن أقام على عذر كمن راحا
وقوله: {لاَّ يَسْتَوِي} نفى لاستواء المجاهدين والقاعدين، والمقصود بهذا النفى التعريض بالمفضول لتفريطه وزهده في الخير، وحض على الاقتداء بمن هو أفضل منه، إذ من المعروف أن القاعد عن الجهاد لا يساوى المجاهد في الفضل والثواب. فتعين أن يكون المراد بهذا التعبير التعريض بالقاعدين ليتأسوا بالمجاهدين، وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله:
«فإن قلت» : معلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان فما فائدة نفى الاستواء؟
قلت: معناه الإِذكار بما بينهما من التفاوت العظيم، والبون البعيد، ليأنف القاعد ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته. فيهتز للجهاد ويرغب فيه، وفي ارتفاع طبقته، ونحوه: {هَلْ يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ} أريد به التحريك من الجهل إلى التعلم. ولينهض الشخص بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم.
وقوله {مِنَ المؤمنين} جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من القاعدين.
وفائدة قوله: {مِنَ المؤمنين} الإِيذان من أول الأمر بأن قعودهم عن الجهاد لم يمنعهم عن الوصف بالإِيمان، لأن قعودهم عن الجهاد لم يكن عن نفاق أو عن ضعف في دينهم، وإنما كان عن تراخ أو اشتغال ببعض الأمور الدنيوية.
قال الجمل وقوله: {غَيْرُ أُوْلِي الضرر} : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم {غَيْرُ} بالرفع: وقرأ الباقون بالنصب. وقرأ الأعمش بالجر.
فالرفع على وجهين:
أظهرما أنه على البدل من {القاعدون} . وإنما كان هذا أظهر لأن الكلام نفى والبدل معه أرجح.
والثاني: أنه رفع على أنه صفة لقوله {القاعدون} لأنهم لما لم يكونوا أناسًا بأعيانهم بل أريد بهم الجنس أشبهوا النكرة فوصفوا بها.
وأما النصب فعلى: الاستثناء من {القاعدون} وهو الأظهر، لأنه المحدث عنه. وأما الجر فعلى أنه صفة للمؤمنين.
وقوله: {فَضَّلَ الله المجاهدين بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القاعدين دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى} بيان لمزية المجاهدين على غيرهم.
والمراد بالقاعدين هنا - الذين قعدوا عن الجهاد لسبب مانع من مباشرته أي: فضل الله - تعالى - المجاهدين بأموالهم وأنفسهم من أجل إعزاز دينه، فضلهم درجة على القاعدين بأعذار، لأن المجاهدين قد عرضوا أنفسهم للمخاطر والأهوال، وبذلوا أرواحهم وأمولهم في سبيل إعلاء كلمة الله.
والدرجة هنا مستعارة للعلو المعنوى أي أن المراد بها هو الفضل، ووفرة الأجر وزيادة الثواب. والتنوين فيها للتعظيم.
قال ابن جرير: فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين من أولى الضرر درجة واحدة، يعنى فضيلة واحدة. وذلك بفضل جهادهم بأنفسهم فأما فيما سوى ذلك فهما مستويان.
وقوله {وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى} جملة معترضة جئ بها تاركا لما عسى أن يوهمه تفضيل أحد الفريقين على الآخر من حرمان المفضول.
أى: وكل واحد من فريقى المجاهدين والقاعدين من أهل الضرر وعده الله المثوبة الحسنى وهي الجنة لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم، وإنما التفاوت في زيادة العمل المتقضى لمزيد الثواب.
وقوله {كُلاًّ} مفعول أول لما يعقبه قدم عليه لإِفادة القصر تأكيدا للوعد وتنوينه عوض عن المضاف إليه. وقوله {الحسنى} مفعول ثان.
ثم بين - سبحانه - أنه قد فضل المجاهدين على القاعدين بغير عذر بدرجات عظيمة فقال {وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين أَجْرًا عَظِيمًا} .
أى: وفضل الله - تعالى - المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين دون أن يكون هناك عذر يمنعهم عن الجهاد، فضل الله المجاهدين على هؤلاء القاعدين بالأجر العظيم والثواب الجزيل، والمنزلة الرفيعة.
وقوله {أَجْرًا عَظِيمًا} منصوب على النيابة عن المفعول المطلق المبين للنوع، لأن الأجر هو ذلك التفضيل. أو على نزع الخافض أي فضلهم بأجر عظيم. أو على أنه مفعول ثان بتضمين فضل معنى أعطى أي أعطاهم أجرا تفضلا منه.
ثم فصل - سبحانه - هذا الأجر العظيم فقال {دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا} .
أى فضل الله - تعالى - المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين عن الجهاد بغير عذر بالأجر العظيم؛ الذي يرفعهم عند الله - تعالى - درجات عالية ويقربهم من مقامات قدسه، ويغفر لهم ما فرط منهم، ويتغمدهم بسابغ رحمته وكان الله كثير الغفران لأوليائه واسع الرحمة بأهل طاعته.
وقوله {دَرَجَاتٍ مِّنْهُ} بدل أو عطف بيان من قوله {أَجْرًا عَظِيمًا} . وقوله {مِّنْهُ} جار ومجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لدرجات.
ونكرت الدرجات للإِشعار بأنها درجات عظيمة لا يحدها الحصر، ولا يعينها المقدار، بل هي شرف عظيم لا يناله إلا المقربون الأبرار.
هذا، وما جرينا عليه من أن المجاهدين يمتازون عن القاعدين بعذر بدرجة، ويمتازون عن القاعدين بغير عذر بدرجات هو رأى كثير من المفسرين، وقد عبر عنه صاحب الكشاف بقوله:
«فإن قلت» : قد ذكر الله - تعالى - مفضلين درجة ومفضلين درجات فمن هم؟
قلت: أما المفضلون درجة واحدة فهم الذين فضلوا على القاعدين الأضراء.
وأما المفضلون درجات فالذين فضلوا على القاعدين الذين أذن لهم في التخلف اكتفاء بغيرهم، لأن الغزو فرض كفاية.
ومن المفسرين من يرى أن الذين فضل الله عليهم المجاهدين بدرجة وبدرجات هم صنف واحد، وهم الذين قعدوا عن الجهاد بدون عذر. أما الذين قعدوا بعذر فهم متساوون في الأجر مع المجاهدين.
وعلى هذا الرأي سار الآلوسي في تفسيره فقد قال ما ملخصه: {فَضَّلَ الله المجاهدين} في سبيله {بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القاعدين} من المؤمنين غير أولى الضرر {دَرَجَةً} لا يقادر قدرها. {وَكُلاًّ} أي: كل واحد من الفريقين المجاهدين والقاعدين {وَعَدَ الله الحسنى} . وقوله {وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين} عطف على ما قبله {أَجْرًا عَظِيمًا} .
ثم قال: ولعل تكرير التفضيل بطريق العطف المنبئ عن المغايرة. وتقييده تارة بدرجة وتارة بدرجات مع اتحاد المفضل والمفضل عليه. إما لتنزيل الاختلاف العنوانى بين التفضيلين وبين الدرجة والدرجات منزلة الاختلاف الذاتى تمهيدًا لسلوك طريق الإِبهام ثم التفسير. . . . وإما للاختلاف بالذات بين التفضيلين والدرجة والدرجات.
وقد حكى الإِمام القرطبي هذين الوجهين فقال: قوله - تعالى - {فَضَّلَ الله المجاهدين بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القاعدين دَرَجَةً} وقد قال بعد هذا: {دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً} فقال قوم: التفضيل بالدرجة ثم بالدرجات إنما هو مبالغى وبيان وتأكيد.
وقيل: فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولى الضرر بدرجة واجدة. وفضل الله المجاهدين على القاعدين من غير عذر درجات.
والذي نراه أولى من هذين القولين من قال بأن الله - تعالى - فضل المجاهدين على القاعدين بعذر بدرجة، وفضل المجاهدين على القاعدين بغير عذر بدرجات، وذلك لأن هذا التفسير هو المأثور عن ابن عباس وغيره من الصحابة. فقد قال ابن عباس في قوله - تعالى - {فَضَّلَ الله المجاهدين بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القاعدين دَرَجَةً} أراد بالقاعدين هنا أولى الضرر ولأن القاعدين بعذر وإن كانوا لهم من حسن النية ما يرفع منزلتهم إلا أن المجاهدين الذين باشروا الجهاد وعرضوا أنفسهم لأخطار القتال يفوقونهم منزلة وأجرًا.
وهذا ما يقتضيه منطق العقول البشرية، أما عطاء الله بعد ذلك لكل فريق فمرجعه إليه وحده على حسب ما تقتضيه حكمته وسعة رحمته.