تأكيد لوجوب التزام الحق مع الغنى والفقير والصغير والكبير.
أى: إن يكن المشهود عليه غنيا يرجى في العادة ويخشى أو فقيرًا يترحم عليه في الغالب ولا يخشى، فلا تمتنعوا عن الشهادة، لأن الله - تعالى - هو الأول والأجدر بحساب كل من الغنى والفقير، وهو الأعلم بمصالح الناس، والأرحم بهم منكم. وجواب الشرط محذوف، أي: إن يكن المشهود عليه غنيا أو فقيرا فلا تتركوا الشهادة لأن الشهادة في مصلحتهما.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : لم ثنى الضمير في"أولى بهما"وكان حقه أن يوحد؛ لأن قوله: إن يكن غنيا أو فقيرا في معنى إن يكن أحد هذين؟
قلت قد رجع الضمير إلى ما دل عليه قوله: {إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا} لا إلى المذكور، فلذلك ثنى ولم يفرد، وهو جنس الغني وجنس الفقير.
فكأنه قيل: فالله أولى بجنسي الغني والفقير. أي: بالأغنياء والفقراء. وفي قراءة أبى: فالله أولى بهم وهي شاهدة على ذلك.
وقال ابن جرير: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم إذا اختصم إليه رجلان: غنى وفقير: وكان ضعله - أي ميله - مع الفقير؛ لأنه يرى أن الفقير لا يظلم الغنى. فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط في الغنى والفقير فقال: {إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فالله أولى بِهِمَا} .
والذي يستفاد من هذه الرواية ومن ظاهر الآية أن الغنى أو الفقر لا يصح أن يكونا سببا في التفاوت في الحكم. ويقاس عليهما غيرهما من أحوال الناس، لأن الله - تعالى هو الذي نظم الكون بحكمته، وهو أعلم بمصالح الناس من أنفسهم، وجعل فيهم الغنى والفقير لأن الغنى والفقر أمران ثابتان في هذا الوجود، ولا يمكن أن تخلو منهما الجماعة الإِنسانية، لأن ذلك تنظيم الله - تعالى، وإرادته الخالدة، وهو الذي يتقف مع الطبيعة الإِنسانية، إذ العقول متفاوتة، والعزائم مختلفة، والأعمال متنوعة، ونتيجة لذلك كانت لثمار ليست متحدة.