فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 627

قال الجمل: قوله {والركب أَسْفَلَ مِنكُمْ} الأحسن في هذه الواو، والواو التي قبلها الداخلة على {هُم} أن تكون عاطفة ما بعدها على {أَنتُمْ} لأنها مبدأ تقسيم أحوالهم وأحوال عدوهم ويجوز أن يكونا واو حال، واسفل منصوب على الظرف النائب عن الخبر، وهو في الحقيقة صفة لظرف مكان محذوف. أي: والركب في مكان أسفل من مكانكم وكان الركب على ثلاثة أميال من بدر. .

وقال الإِمام الزمخشري - رحمه الله -

«فإن قلت» : ما فائدة هذا التوقيت، وذكر مراكز الفريقين، وأن العير كانت أسفل منهم؟

قلت: الفائدة فيه الإِخبار عن الحال الدالة على قوة الشأن للعدو، وتكامل عدته، وتمهد أسباب الغلبة له، وضعف شأن المسلمين، والتياث أمرهم، وأن غلبتهم في هذه الحال ليس إلا صنعا من الله - سبحانه - ودليلا على أن ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله وقوته وباهر قدرته.

وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون، كان فيه الماء، وكانت أرضا لا بأس بها. ولا ماء العدوة الدنيا، وهي خبار - أي أرض لينة رخوة - تسوخ فيها الأرجل، ولا يمشى فيها إلا بتعب ومشقة.

وكانت العير وراء ظهور العدو، مع كثرة عددهم، فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم، وتشحذ في المقاتلة عنها نياتهم، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحرب بظعنهم وأموالهم، ليبعثهم الذب عن الحريم على بذل جهودهم في القتال.

وفيه تصوير ما دبر - سبحانه - من أمر غزوة بدر {لِّيَقْضِيَ الله أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} ومن إعزاز دينه، وإعلاء كلمته، حين وعد المسلمين إحدى الطائفتين مبهمة غير مبينة حتى خرجوا ليأخذوا العير راغبين في الخروج، وأقلق قريشا ما بلغهم من تعرض المسلمين لأموالهم، فنفروا لمنعوا عيرهم، وسبب الأسباب حتى أناخ هؤلاء بالعدوة الدنيا وهؤلاء بالعدوة القصوى، وراءهم العير يحامون عليها، حتى قامت الحرب في ساق، وكان ما كان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت