أي: قالوا شاكرين لله أنعمه ومننه: الحمد لله الذي هدانا في الدنيا إلى الإيمان والعمل الصالح، وأعطانا في الآخرة هذا النعيم الجزيل، وما كنا لنهتدى إلى ما نحن فيه من نعيم لولا أن هدانا الله إليه بفضله وتوفيقه. وجواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه، والتقدير: ولولا هداية الله موجودة ما اهتدينا.
وقوله: {لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق} جملة قسمية، أي: والله لقد جاءت رسل ربنا في الدنيا بالحق، لأن ما أخبرونا به قد وجدنا مصداقه في الآخرة.
{ونودوا أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: ونودوا من قبل الخالق - عز وجل - بأن قيل لهم: تلكم هي الجنة التي كانت الرسل تعدكم بها في الدنيا قد أورثكم الله إياها بسبب ما قدمتموه من عمل صالح.
فالآية الكريمة صريحة في أن الجنة قد ظفر بها المؤمنون بسبب أعمالهم الصالحة.
«فإن قيل» : إن هناك أحاديث صحيحة تصرح بأن دخول الجنة ليس بالعمل وإنما بفضل الله، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لن يدخل أحدًا عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟"
قال: ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله بفضله ورحمته"."
فالجواب على ذلك أنه لا تنافى في الحقيقة، لأن المراد أن العمل لا يوجب دخول الجنة، بل الدخول بمحض فضل الله، والعمل سبب عادى ظاهرى. وتوضيحه أن الأعمال مهما عظمت فهي ثمن ضئيل بالنسبة لعظمة دخول الجنة، فإن النعمة الأخروية سلعة غالية جدًا فمثل هذه المقابلة كمثل من يبيع قصورًا شاهقة وضياعا واسعة بدرهم واحد.
فإقبال البائع على هذه المبادلة ليس للمساواة بين العمل ونعمة الجنة، بل لتفضله على المشترى ورحمته به، فمن رحمته بعباده المؤمنين أن جعل بعض أعمالهم الفانية وأموالهم الزائلة ثمنا لنعيم لا يبلى، ولذلك قال ابن عباس عندما قرأ قوله تعالى: {إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنة} نعمت الصفقة، أنفس هو خالقها وأموال هو رازقها ثم يمنحنا عليها الجنة.
على أنه - سبحانه - هو المتفضل في الحقيقة بالثمن والمثمن جميعًا. لا جرم كان دخول الجنة بفضله - سبحانه - وهو الموفق للعمل والمعين عليه.
ويمكن أن يجاب - أيضًا - بأن الفوز بالجنة ونعيمها إنما هو بفضل الله والعمل جميعا، فقوله: {ونودوا أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: مع فضل الله تعالى، وإنما لم يذكر ذلك لئلا يتكلوا. وقوله صلى الله عليه وسلم:"لن يدخل أحدا عمله الجنة. . ."أي مجردا من فضل الله، وإنما اقتصر على هذا لئلا يغتروا.
هذا أصح الآراء في الجمع بين الآية والحديث، وهناك آراء أخرى لم نذكرها لضعفها.