فهرس الكتاب

الصفحة 334 من 627

اللام في قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَآ. . .} هي الموطئة للقسم، والمعهود محذوف، وهو النهي عن الأكل من شجرة معينة، كما وضحه في آيات أخرى منها قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة فَتَكُونَا مِنَ الظالمين} أي: والله لقد عهدنا إلى آدم - عليه السلام - وأوصيناه ألا يقرب تلك الشجرة {مِن قَبْلُ} أن يخالف أمرنا فيقربها ويأكل منها، أو من قبل أن نخبرك بذلك - أيها الرسول الكريم -.

والفاء في قوله {فَنَسِيَ} للتعقيب، والمفعول محذوف. أي: فنسى العهد الذي أخذناه عليه بعدم الأكل منها.

والنسيان هنا يرى بعضهم أنه بمعنى الترك، وقد ورد النسيان بمعنى الترك في كثير من آيات القرآن الكريم. ومن ذلك قوله تعالى: {وَقِيلَ اليوم نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هذا} أي: نترككم كما تركتم لقاء يومكم هذا وهو يوم القيامة.

وعليه يكون المعنى: ولقد عهدنا إلى آدم من قبل بعدم الأكل من الشجرة فترك الوفاء بعهدنا وخالف ما أمرناه به.

وعلى هذا التفسير فلا إشكال في وصف الله تعالى له بقوله: {آدَمُ رَبَّهُ فغوى} لأن آدم بمخالفته لما نهاه الله تعالى عنه وهو الأكل من الشجرة - صار عاصيا لأمر ربه.

ومن العلماء من يرى أن النسيان هنا على حقيقته، أي: أنه ضد التذكر فيكون المعنى: ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ما عاهدناه عليه، وغاب عن ذهنه ما نهيناه عنه، وهو الأكل من الشجرة.

«فإن قيل» : إن الناسى معذور. فكيف قال الله تعالى في حقه: {وعصى آدَمُ رَبَّهُ فغوى} فالجواب: أن آدم - عليه السلام - لم يكن معذورا بالنسيان، لأن الذر بسبب الخطأ والنسيان والإكراه. من خصائص هذه الأمة الإسلامية، بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم:"إن الله تجاوز لي عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".

قال القرطبي ما ملخصه: قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إلى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ. .} . للنسيان معنيان: أحدهما: الترك، أي ترك الأمر والعهد، وهذا قول مجاهد وأكثر المفسرين، ومنه {نَسُواْ الله فَنَسِيَهُمْ} وثانيهما: قال ابن عباس:"نسى"هنا من السهو والنسيان، وإنما أخذ الإنسان من أنه عهد إليه فنسى. . . وعلى هذا القول يحتمل أن يكون آدم في ذلك الوقت مؤاخذا بالنسيان، وإن كان النسيان عنا اليوم مرفوعا.

والمراد تسلية النبي - صلى الله عليه وسلم - أي: أن طاعة بني آدم للشيطان أمر قديم أي: إن نقَض هؤلاء - المشركون - العهد، فإن آدم - أيضا - عهدنا إليه فنسى. . ."."

وقوله: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} مقرر لما قبله من غفلة آدم عن الوفاء بالعهد.

قال الجمل: وقوله: {نَجِدْ} يحتمل أنه من الوجدان بمعنى العلم، فينصب مفعولين، وهما"له"و"عزما"ويحتمل أنه من الوجود الذي هو ضد العدم فينصب مفعولا وهو {عَزْمًا} والجار والمجرور متعلق بنجد.

والعزم: توطين النفس على الفعل، والتصميم عليه، والمضى في التنفيذ للشيء. .

أى: فنسى آدم عهدنا، ولم نجد له ثبات قدم في الأمور، يجعله يصبر على عدم الأكل من الشجرة بل لانت عريكته وفترت همته بسبب خديعة الشيطان له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت