فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 627

{وَقُل لَّهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا}

أى قل لهم بعد ذلك قولا يبلغ أعماق نفوسهم لقوته وشدة تأثيره. بأن تورد لهم ما تريد أن تخاطبهم به بطريقة تجعلهم يقبلون على قولك.

وفي هذه الجملة الكريمة ما فيها من التعبير البليغ المؤثر، حتى لكأنما القول الذي يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم لهم: يودع مباشرة في الأنفس، ويستقر رأسا في القلوب.

وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال:

«فإن قلت» : بم تعلق قوله: {في أَنْفُسِهِمْ} قلت: بقوله {بَلِيغًا} أي: قبل لهم قولا بليغا في أنفسهم مؤثرا في قلوبهم يغتمون به اغتماما، ويستشعرون منه الخوف استشعارا، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجم منهم النفاق، واطلع قرنه، وأخبرهم أن ما في نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند الله، وانه لا فرق بينكم وبين المشركين. وما هذه المكانة إلا لإِظهاركم الإِيمان وإِسراركم الكفر وإضماره. فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف.

أو يتعلق بقوله {وَقُل لَّهُمْ} . أي: قل لهم في أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا. وإن الله يعلم ما في قلوبكم. لا يخفى عليه. فلا يغنى عنكم إبطانه.

فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق. وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، وشرا من ذلك وأغلظ، أو قل لهم في أنفسهم خاليا بهم، ليس معهم غيرهم. قولا بليغًا يبلغ منهم، ويؤثر فيهم.

فأنت ترى أن الآية الكريمة قد أرشدت النبي صلى الله عليه وسلم إلى استعمال ثلاثة طرق لصرف المنافقين عن أفعالهم القبيحة.

وهذه الطرق هي الإِعراض عنهم، ووعظم بما يرغبهم في الخير ويرهبهم من الشر، ومخاطبتهم بالقول البليغ المؤثر الذي يحرك نفوسهم تحريكا قويا، ويجعلهم يقبلون وهذه الطرق هي أسمى ألوان الدعوة إلى الله. وأنجع الأساليب في جلب الناس إلى ما يأخذ بيدهم إلى الخير والفلاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت