فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 627

قال صاحب الكشاف:

«فإن قلت» : كانوا كافرين بعيسى - عليه السلام - أعداء له، عامدين لقتله، يسمونه الساحر ابن الساحرة، والفاعل ابن الفاعلة، فيكف قالوا: {إِنَّا قَتَلْنَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ الله} ؟

قلت: قالوه على وجه الاستهزاء، كقول فرعون {إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم، رفعا لعيسى عما كانوا يذكرونه به، وتعظيما لما أرادوا بمثله كقوله: {لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْدًا} وقوله - تعالى - {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبِّهَ لَهُمْ} رد على مزاعمهم الكاذبة، وأقاويلهم الباطلة التي تفاخروا بها بأنهم قتلوا عيسى - عليهم السلام -. أي: إن ما قاله اليهود متفاخرين به، وهو زعمهم أنه قتلوا عيسى - عليه السلام -، هو من باب أكاذيبهم المعروفة عنهم؛ فإنهم ما قتلوه، وما صلبوه ولكن الحق أنهم قتلوا رجلا آخر يشبه عيسى - عليه السلام - في الخلقة فظنوه إياه وقتلوه وصلبوه، ثم قالوا. إنا قتلنا المسيح ابن مريم رسول الله.

قال الفخر الرازي: قوله: {شُبِّهَ} مسند إلى ماذا؟

إن جعلته مسندًا إلى المسيح فهو مشبه به وليس بمشبه. وإن أسندته إلى المقتول لم يجر له ذكر؟

والجواب من وجهين:

الأول: أنه مسند إلى الجار والمجرور.

وهو كقولك: خيل إليه. كأنه قيل: ولكن قوع لهم الشبه. الثاني: أن يسند إلى ضمير المقتول، لأن قوله {وَمَا قَتَلُوهُ} يدل على أنه وقع القتل على غيره فصار ذلك الغير مذكورا بهذا الطريق فحسن إسناد {شُبِّهَ} إليه.

وقال فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف قوله: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ} زعم أكثر اليهود أنهم قتلوا المسيح وصلبوه، فأكذبهم الله - تعالى - في ذلك وقال: {ولكن شُبِّهَ لَهُمْ} . أي: شبه لهم المقتول بأن ألقى عليه شبه المسيح فلما دخلوا عليه ليقتلوه - أي ليقتلوا المسيح - وجدوا الشبيه فقتلوه وصلبوه، يظنونه المسيح وما هو في الواقع، إذ قد رفع الله عيسى إلى السماء، ونجاه من شر الأعداء.

وقيل المعنى: ولكن التبس عليهم الأمر حيث ظنوا المقتول عيسى كما أوهم بذلك أحبارهم.

هذا، وللمفسرين في بيان كيفية التشبيه لهم وجوه من أهمها اثنان:

الأول: أن الله - تعالى - ألقى شبه عيسى - عليه السلام - على أحد الذين خانوه ودبروا قتله وهو (يهوذا الإِسخربوطى) الذي كان غينا وجاسوسا على المسيح، والذي أرشد الجند الذين أرادوا قتله إلى مكانه، وقال لهم: من أقبله أمامكم يكون هو المسيح، فاقبضوا عليه لتقتلوه، فدخل بين عيسى ليدلهم عليه ليقتلوه فرفع الله عيسى، وألقى شبهه على المنافق، فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى.

وهذا الوجه قد جاء مفصلا في بعض الأناجيل وأشار إليه الآلوسي بقوله: كان رجل من الحواريين ينافس عيسى - عليه السلام - فلما أرادوا قتله قال: أنا أدلكم عليه، وأخذ على ذلك ثلاثين درهما، فدخل بيت عيسى - عليه السلام - فرفع الله عيسى، وألقى شبهه على المنافق، فدخلوا عليه فتقوله، وهم يظنون أنه عيسى.

الثاني: أن الله - تعالى - القى شبه المسيح على أحد تلاميذه المخلصين حينا أجمعت اليهود على قتله، فأخبره الله بأنه سيرفعه إليه، فقال لأصحابه أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهى فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟

فقال رجل منهم أنا. فألقى الله صورة عيسى عليه، فقتل ذلك الرجل وصلب.

وقد أطالب الإِمام ابن كثير في ذكر الروايات التي تؤيد هذا الوجه، ومنها قوله: عن ابن عباس قال: لما أراد الله - تعالى - أن يرفع عيسى إلى السماء، خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين فقال لهم إن منكم من يكفر بعدى اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بى.

قال: ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهى فيقتل مكانى، ويكون معى في درجتي؟

فقال شاب من أحدثهم سنا. فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم. فقال ذلك الشاب. فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم. فقام ذلك الشاب. فقال: أنا.

فقال له عيسى، هو أنت ذاك. فألقى عليه شبه عيسى. ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء. قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتى عشرة مرة بعد أن آمن.

قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح عن ابن عباس، ورواه النسائي عن أبي كريب عن أبي معاوية، وقال غير واحد من السلف: أنه قال لهم. أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني وهو رفيقي في الجنة. . .

والذي يجب اعتقاده بنص القرآن الكريم أن عيسى - عليه السلام لم يقتل ولم يصلب، وإنما رفعه الله إليهم، ونجاه من مكر أعدائه، أما الذي قتل وصلب فهو شخص سواه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت