«فإن قلت» : كيف أمرهم بالإِنفاق ثم قال: {لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ} ؟
قلت: هو أمر في معنى الخبر، كقوله تعالى {قُلْ مَن كَانَ فِي الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدًّا} ومعناه: لن يتقبل منكم أنفتم طوعًا أو كرها، ونحوه قوله تعالى: {استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} وقول الشاعر:
أسيئي بنا أو أحسنى لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت
أى: لن يغفر الله لهم، استغفرت لهم. . أم لم تستغفر لهم. ولا نلومك سواء أسأت إلينا أم وجاء الكلام في صورة الأمر، للمبالغة في تساوي الأمرين، وعدم الاعتداء بنفقتهم سواء أقدموها عن طواعية أم عن كراهية.
وقوله. {لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ} بيان لثمرة إنفاقهم. أي: لن يتقبل منكم ما أنفقتموه، ولن تنالوا عليه ثوابًا.
وقوله: {إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ} تعليل لعدم قبول نفقاتهم.
أى: لن تقبل منكم نفاقتكم بسبب عتوكم في الكفر، وتمردكم على تعاليم الإِسلام وخروجكم عن الطاعة والاستقامة.
قال القرطبي ما ملخصه. وفي الآية دليل على أن أفعاله الكافر إذا كانت برأ كصلة القرابة، وجبر الكسير، وإغاثة الملهوف، ولا يثاب عليها، ولا ينتفع بها في الآخرة، بيد أنه يطعم بها في الدنيا.
دليله ما رواه مسلم"عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قلت يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟"
قال: لا ينفعه، إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين"."
وروى عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله بها في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها".
وقال الجمل: وهذه الآية وإن كانت خاصة في إنفاق المنافقين، فهي عامة في حق كل من أنفق ماله لغير وجه الله، بل أنفقه رياء وسمعة فإنه لا يقبل منه.