والأمر في قوله {فانكحوا} - على التفسير الأول - للإِباحة كما في قوله - تعالى - {وكُلُواْ واشربوا. . .} خلافا للظاهرية الذين يرون أنه للوجوب. و {مَا} في قوله - تعالى - {مَا طَابَ لَكُمْ} موصولة أو موصوفة. وما بعدها صلتها أو صفتها. وأوثرت على {مِّنَ} لأنها أريد بها الصفة وهو الطيب من النساء بدون تحديد لذات معينة، ولو قال {فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ} لتبادر إلى الذهن أن المراد نسوة طيبات معروفات بينهم.
وقوله - تعالى - {مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} حال من فاعل {طَابَ} المستتر أو من مرجعه - وهو {مَا} -، أو بدل منه.
وهذه الكلمات الثلاث من ألفاظ العدد. وتدل كل واحدة منها على المكرر من نوعها. فمثنى تدل على اثنين اثنين. وثلاث تدل على ثلاثة ثلاثة. ورباع تدل على أربعة أربعة.
والمراد منها هنا: الإِذن لكل من يريد الجمع أن ينكح ما شاء من العدد المذكور متفقين فيه ومختلفين.
والمعنى: فانكحوا ما طالب لكم من النساء معدودات هذا العدد: ثنتين ثنتين. وثلاثا ثلاثا. وأربعا أربعا. حسبما تريدون وتستطيعون.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : الذي أطلق للنكاح في الجمع أن يجمع بين ثنتين أو ثلاث أو أربع. فما معنى التكرير في مثنى وثلاث ورباع.
قلت: الخطاب للجميع. فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلق له. كما تقول للجماعة: اقتسموا هذا المال - وهو ألف درهم: درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة. وأربعة أربعة. ولو أفردت لم يكن له معنى.
«فإن قلت» : فلم جاء العطف بالواو دون أو؟
قلت: كما جاء بالواو في المثال الذي حذوته لك. ولو ذهبت تقول: اقتسموا هذا المال درهمين درهمين أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة؛ علمت أنه لا يسوغ لهم أن يقتسموه إلا على أحد أنواع هذه القسمة. وليس لهم أن يجمعوا بينها. فيجعوا بعض القسم على تثنية، وبعضا على تثليث، وبعضا على تربيع، وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلت عليه الواو.
وتحريره: أن الواو دلت على إطلاق أن يأخذ الناكحون من أرادوا نكاحهن من النساء على طريق الجمع: إن شاؤوا مختلفين في تلك الأعداد، وإن شاؤوا متفقين فيها، محظورًا عليهم ما وراء ذلك"."