قال الجمل:
«فإن قلت» : كيف وجه الجمع بين قوله - تعالى: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله} وبين قوله {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} فأضاف السيئة إلى فعل العبد في هذه الآية - بينما أضاف الكل إلى الله في الآية السابقة - ؟
قلت: أما إضافة الأشياء كلها إلى الله في الآية السابقة في قوله {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله} فعلى الحقيقة، لأن الله هو خالقها وموجدها. وأما إضافة السيئة إلى فعل العبد في قوله {وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} فعلى سبيل المجاز. والتقدير: وما أصابك من سيئة فمن أجلها وبسبب اقترافها الذنوب. وهذا لا ينافى أن خلقها من الله - كما سبق.
وقال بعض العلماء: والتوفيق بين قوله - تعالى - {مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} وبين قوله قبل ذلك: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله} هو أن قوله {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله} كان موضوعه الكلام في تقدير الله. فهم إن انتصر المؤمنون لا ينسبون للنبي صلى الله عليه وسلم أي فضل، بل يجردونه من الفضل ويقولون هو من عند الله. وما قصدوا التفويض والإِيمان بالقدر، بل قصدوا الغض من مقام النبوة. فإن كان هناك خير نسبوه إلى الله وإن كان ما يسوء نسبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم إيذاء وتمردا. فالله تعالى - قال لهم: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله} ، أي كل ذلك بتقدير الله وإرادته.
أما قوله {وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} فموضوعه اتخاذ الأسباب. ومعناه: أن من أخذ بالأسباب وتوكل على الله فالله - تعالى - يعطيه النتائج ومن لا يتخذ الأسباب، أو يخالف المنهاج السليم الموصل إلى الثمرة، فإنه سيناله ما يسوؤه، وبسب منه.
فالأول: لبيان القدر.
والثاني: لبيان العمل.