قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : لم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العرب وحدهم، وإنما بعث إلى الناس جميعا، وهم على ألسنة مختلفة. فإن لم تكن للعرب حجة، فلغيرهم الحجة. وإن لم تكن لغيرهم حجة، فلو نزل بالعجمية لم تكن للعرب حجة - أيضا - قلت: لا يخلو إما أن ينزل لجميع الألسنة أو بواحد منها، فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفى التطويل، فبقى أن ينزل بلسان واحد.
فكان أول الألسنة لسان قوم الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم أقرب إليه.
فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر، قامت التراجم ببيانه وتفهيمه، كما ترى الحال وتشاهدها من نيابة التراجم في كل أمة من أمم العجم، مع ما في ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة، والأجيال المتفاوتة على كتاب واحد، واجتهادهم في تعلم لفظه وتعلم معانيه، وما يتشعب من ذلك من جلائل الفوائد، ولأنه أبعد من التحريف والتبديل، وأسلم من التنازع والاختلاف. . ."وقال الشوكاني: ما ملخصه:"وقد قيل في هذه الآية إشكال، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم أرسل إلى الناس جمعيا، ولغاتهم متباينة. . .
وأجيب: بأنه - صلى الله عليه وسلم - وإن كان مرسلا إلى الثقلين، لكن لما كان قومه العرب، وكانوا أخص به وأقرب إليه، كان إرساله بلسانهم أولى من إرساله بلسان غيرهم، وهم يبينونه لمن كان على غير لسانهم.
ولو نزل القرآن بجميع لغات من أرسل إليهم، وبينه الرسول لكل قوم بلسانهم، لكان ذلك مظنة للاختلاف، وفتحا لباب التنازع، لأن كل أمة قد تدعى من المعاني في لسانها ما لا عرفه غيرها.
وربما كان ذلك - أيضا - مفضيا إلى التحريف والتصحيف، بسبب الدعاوى الباطلة التي يقع فيها المتعصبون"."