فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 627

قال صاحب الكشاف:

«فإن قلت» : هلا جزم المعطوف في قوله {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ} ؟

قلت: عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم إبتداء كأنه قيل أخبركم أنهم لا ينصرون.

«فإن قلت» : فأي فرق بين رفعه وجزمه في المعنى؟

قلت لو جزم لكان النصر مقيدا بمقاتلتهم كتولية الأدبار وحين رفع كان نفى النصر وعدا مطلقا كأنه قال. ثم شأنهم وقصتهم التي أخبركم عنها وأبشركم بها بعد التولية أنهم مخذولون منتف عنهم النصر والقوة لا ينهضون بعدها بجناح ولا يستقيم لهم أمر، وكان كما أخبر من حال بنى قريظة والنضير وبنى قينقاع ويهود خيبر

«فإن قلت» : فما الذي عطف عليه هذا الخبر؟

قتل: جملة الشرط والجزاء كأنه قيل: أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا، ثم أخبركم أنهم لا ينصرون.

فإن قلت فما معنى التراخى في ثم؟

قلت: التراخى في المرتبة، لأن الاخبار بتلسيط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم الأدبار

«فإن قلت» : ما موقع الجملتين، أعني {مِّنْهُمُ المؤمنون} و {لَن يَضُرُّوكُمْ} قلت هما كلامان واردان على طريق الاستطراد عند إجراء ذكر أهل الكتاب، كما يقول القائل: وعلى ذكر فلان فإن من شأنه كيت وكيت ولذلك جاءا من غير عطف"."

فأنت ترى الآية الكريمة قد بشرت المؤمنين الصادقين ببشارات ثلاث:

أولها: أنهم في مأمن من الضرر البليغ الذي يؤثر في كيانهم وعزتهم وكرامتهم من جهة أهل الكتاب.

ثانيها: أن أهل الكتاب لو قاتلوهم، فإن المؤمنين سيكون لهم النصر عليهم.

ثالثها: أنهم بعد نصرهم عليهم لن تكون لأهل الكتاب - وعلى رأسهم اليهود - شوكة أو قوة للأخذ بثأرهم بعد ذلك.

وقد تحققت هذه البشارات، وكانت كما أخبر الله - تعالى - فإن المسلمين الأولين الذين كانوا متمسكين بتعاليم دنيهم نصرهم الله - تعالى - على أهل الكتاب وعلى غيرهم من أعدائهم نصرا مؤزرا - كما سبق أن أشرنا -.

فإن قال قائل: ولكن الذي نراه الآن أن اليهود الذين لا يمارى أحد في جبنهم وفي حرصهم على الحياة قد انتصروا على المسلمين وأقاموا لهم دولة في بقعة من أعز بقاع البلاد الإسلامية وهي فلسطين فهل يخلف وعد الله؟

والجواب على ذلك. أن وعد الله - تعالى - لا يخلف ولن يتخلف وقد حققه - سبحانه - لأسلافنا الصالحين الذي آمنوا به حق الإيمان. ولكن المسلمين في هذا العصر هم الذين تغيرت أحوالهم، فقد فرطوا في دينهم وأضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وتفرقوا شيعًا وأحزابًا وتنكبوا الطريق القويم ولم يباشروا الأسباب التي شرعها الله - تعالى - لبلوغ النصر، ولم يحسنوا الشعور بالمسئولية.

فلما فعلوا ذلك تبدل حالهم من الخير إلى الشر، ومن القوة إلى الضعف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت