والفاء في قوله {فذكر} للتفريع على ما تقدم، والأمر مستعمل هنا في طلب المداومة على التذكير بدعوة الحق التي أرسله - سبحانه - بها، والذكرى: بمعنى التذكير.
والمعنى: إذا كان الأمر كما أخبرناك - أيها الرسول الكريم - فداوم على تذكير الناس بالهدى ودين الحق، واتبع في ذلك الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن اهتم في تذكيرك بمن تتوقع منهم قبول دعوتك، وأعرض عن الجاحدين والمعاندين والجاهلين.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : كان الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بالذكرى نفعت أو لم تنفع. . فما معنى اشتراط النفع؟
قلت: هو على وجهين:
أحدهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استفرغ مجهوده في تذكيرهم، وما كانوا يزيدون على زيادة الذكرى إلا عتوا وطغيانا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتلظى حسرة وتلهفا، ويزداد جدا في تذكيرهم، وحرصا عليه، فقيل له: {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بالقرآن مَن يَخَافُ وَعِيدِ} وذلك بعد إلزام الحجة بتكرير التذكير.
والثاني: أن يكون ظاهره شرطا، ومعناه ذَمًّا للمذكِّرين - بتشديد الكاف المفتوحة - وإخبارا عن حالهم، واستبعادا لتأثير الذكرى فيهم، وتسجيلا عليهم بالطبع على قلوبهم، كما تقول للواعظ: عظ المكاسين إن سمعوا منك، قاصدا بهذا الشرط، استبعاد ذلك، وأنه لن يكون. .
وقال الإِمام الرازي ما ملخصه: جاء التعليق بالشرط في قوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذكرى} مع أنه صلى الله عليه وسلم مطلوب منه أن يذكر الناس جميعا، نفعتهم الذكرى أم لم تنفعهم - للتنبيه على أشرف الحالين، وهو وجود النفع الذي من أجله شرعت الذكرى، كقوله تعالى:
{سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر} وللإِشعار بأن المراد من الشرط: البعث على الانتفاع بالذكرى، كما يقول الإِنسان لغيره بعد أن بين له الحق، قد أوضحت لك الأمر إن كنت تعقل، فيكون مراده الحض على القبول. .
ويبدو لنا أن المقصود بالآية الكريمة، تحريض النبي صلى الله عليه وسلم على المداومة على دعوة الناس إلى قبول الحق الذي جاء به، فإن هذا التذكير إن لم ينفع الناس جميعا، فسينفع بعضهم، فقد اقتضت سنة الله تعالى أن لا تخلو الأرض ممن يستمع إلى الحق، ويستجيب له.
ويدل على هذا المعنى قوله تعالى بعد ذلك: {سَيَذَّكَّرُ مَن يخشى} أي: سينتفع بتذكيرك - أيها الرسول الكريم - من يخشى الله تعالى ويخاف عذابه، ويرجو ثوابه.