قوله: {كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تهوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ}
بيان لموقفهم الذميم من الميثاق الذي أخذ عليهم ومن الرسل الكرام الذين أرسلهم الله لهدايتهم وسعادتهم.
أي: أخذنا الميثاق المؤكد عليهم، وأرسلنا إليهم رسلا كثيرين لهدايتهم ولكنهم نقضوا الميثاق، وعصوا الرسل، فكانوا {كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ} لما لا تشتيه نفوسهم الشقية، وبما لا تميل إليه قلوبهم الردية، ناصبوه العداء؛ فكذبوا بعض الرسل، ولم يكتفوا مع البعض الآخر بالتكذيب بل أضافوا إليه القتل.
ولقد كذب اليهود جميع الرسل الذين جاءوا لهدايتهم ولم يؤمن بهم إلا قلة منهم. وقتلوا من بين من قتلوا من الرسل بعد أن كذبهم: زكريا ويحيى، وحاولوا قتل عيسى - عليه السلام - كما حاولوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن الله تعالى نجاهما من مكرهم وكيدهم.
قال صاحب الكشاف: وقوله: {كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ} جملة شرطية وقعت صفة لقوله: {رُسُلًا} والرابط محذوف: أي: رسول منهم {بِمَا لاَ تهوى أَنْفُسُهُمْ} أي بما يخالف هواهم ويضاد شهواتهم.
«فإن قلت» : أين جواب الشرط قلت: هو محذوف يدل عليه {فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} فكأنه قيل: كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه.
والتعبير بقوله: {كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تهوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} يدل على أن حال بني إسرائيل بالنسبة للرسل يدور بين أمرين أما التكذيب لهم، والاستهانة بتعاليمهم وإما أن يجمعوا مع التكذيب قتلهم وإزهاق أرواحهم الشريفة.
فكأن التكذيب والقتل قد صار سجيتين لهم لا تتخلفان في أي زمان ومع أي رسول، وذلك لأن لفظ"كل"يدل على العموم."وما"مصدرية ظرفية دالة على الزمان، فكأنه - سبحانه - يقول: في كل أوقات مجيء الرسل إليهم كذبوا ويقتلون دون أن يفرقوا بين رسول ورسول أو بين زمان وزمان.
وقال - سبحانه - {بِمَا لاَ تهوى أَنْفُسُهُمْ} للمبالغة في ذمهم، إذ هوى النفس ميلها في الغالب إلى الشهوات التي لا تنبغي، والرسل ما أرسلهم الله تعالى إلا الهداية الأنفس، وكفها عن شهواتها التي يؤدي الوقوع فيها إلى المفاسد.
وبنو إسرائيل لا يكذبون الرسل، ويقتلونهم إلا لأنهم جاءهم بما يخالف هواهم، ويتعارض مع أنانيتهم وشرهم ومطامعهم الباطلة.
وهكذا الأمم عندما تفسد عقولها؛ وتسيطر عليها الأطماع والشهوات، ترى الحسن قبيحا، وتحارب من يهيدها إلى الرشاد حتى لكأنه عدو لها.
وقدم - سبحانه - المفعول به في قوله {فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} للاهتمام بتفصيل أحوال بني إسرائيل السيئة، وبيان ما لقيه الرسل الكرام منهم.
وعبر عن التكذيب بالفعل الماضي فقال: {فَرِيقًا كَذَّبُواْ} وعن القتل بالفعل المضارع فقال: {وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} لحكاية الحال الماضية التي صدرت من أسلافهم بتصوير ما حصل في الماضي كأنه حاصل وقت التكلم، ولاستحضار جريمتهم البشعة في النفوس حتى لكأنها واقعة في الحال، وفي ذلك ما فيه من النعي عليهم. والتوبيخ لهم والتعجيب من أحوالهم التي بلغت نهاية الشناعة والقبح.