فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 627

قال صاحب الكشاف:

«فإن قلت» : كيف خاطبوا شعيبا عليه السلام - بالعود في الكفر في قولهم: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} وكيف أجابهم بقوله: {إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ} والأنبياء - عليهم السلام - لا يجوز عليهم من الصغائر إلا ما ليس فه تنفير، فضلا عن الكبائر، فضلا عن الكفر؟

قلت: قالوا: {لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب والذين آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ} فعطفوا على ضميره الذين دخلوا في الإيمان منهم بعد كفرهم قالوا: لتعودن فغلب الجماعة على الواحد، فجعلوهم عائدين جميعًا، إجراء للكلام على حكم التغليب. وعلى ذلك أجرى شعيب - عليه السلام - جوابه فقال: {إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا} وهو يريد عودة قومه، إلا أنه نظم نفسه في جملتهم وإن كان بريئا من ذلك إجراء لكلامه على حكم التغليب.

هذا هو الجواب الذي اختاره الزمخشري وتبعه فيه بعض العلماء، وهناك أجوبة أخرى ذكرها المفسرون ومنها:

1 -أن هذا القول جار على ظنهم أنه كان في ملتهم، لسكوته قبل البعثة عن الإنكار عليهم.

2 -أنه صدر عن رؤسائهم تلبيسا على الناس وإيهامًا لهم بأنه كان على دينهم وما صدر عن شعيب - عليه السلام - كان على طريق المشاكلة.

3 -أن قولهم: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} بمعنى: أو لتصيرن، إذ كثيرًا ما يرد"عاد"بمعنى"صار"فيعمل عمل كان. ولا يستدعى الرجوع إلى حالة سابقة، بل عكس ذلك، وهو الانتقال من حال سابقة إلى حال مؤتنفة، وكأنهم قالوا لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتصيرن كفارًا مثلنا"."

قال الإمام الرازي: تقول العرب: قد عاد إلى فلان مكره، يريدون: قد صار منه المكر ابتداء.

وقال صاحب الانتصاف: إنه يسلم استعمال"العود"بمعنى الرجوع إلى أمر سابق، ويجاب عن ذلك بمثل الجواب عن قوله تعالى: {الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور والذين كفروا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطاغوت يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النور إِلَى الظلمات} والاخراج يستدعى دخولا سابقا فيما وقع الاخراج منه. ونحن نعلم أن المؤمن الناشيء في الإيمان لم يدخل قط في ظلمة الكفر، ولا كان فيها. وكذلك الكافر الأصلى، لم يدخل قط في نور الإيمان ولا كان فيه، ولكن لما كان الإيمان والكفر من الأفعال الاختيارية التي خلق الله العبد متيسرًا لكل واحد منهما متمكنا منه لو أراده، فعبر عن تمكن المؤمن من الكفر ثم عدوله إلى الإيمان، إخبارًا بالاخراج من الظلمات إلى النور توفيقا من الله له، ولطفا به، وبالعكس في حق الكافر وفائدة اختياره في هذه المواضع، تحقيق التمكن والاختيار؛ لإقامة حجة الله على عباده"."

هذه بعض الأجوبة التي أجاب بها العلماء على قول شعيب {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} ولعل أرجحها هو الرأي الذي اختاره صاحب الكشاف"لبعده عن التكلف، واتساقه مع رد شعيب عليهم". فقد قال لهم:

{أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} . أي: أتجبروننا على العودة إلى ملتكم حتى ولو كنا كارهين لها، لاعتقادنا أنها باطلة وقبيحة ومنافية للعقول السليمة والأخلاق المستقيمة. لا. لن نعود إليها بأي حال من الأحوال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت