قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : فلم رجع فعطف بالفاء قوله: {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله} ؟
قلت: هو تكرير لقوله: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى} ومكر الله: استعارة لأخذه العبد من حيث لا يشعر ولاستدراجه، فعلى العاقل أن يكون في خوفه من مكر الله كالمحارب الذي يخاف من عدوه الكمين والبيات والغيلة. وعن الربيع بن خثعم أن ابنته قالت له: مالي أراك لا تنام والناس ينامون؟
فقال: با بنتاه إن إباك يخاف البيات.
أراد قوله: {أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا} .
والمعنى: أفأمنوا مكر الله وتدبيره الخفي الذي لا يعلمه البشر فغفلوا عن قدرتنا على إنزال العذاب بهم بياتًا أو ضحوة؟
لئن كانوا كذلك فهم بلا ريب عن الصراط لناكبون، وعن سنن الله في خلقه غافلون، فإنه {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون} أي: إلا القوم الذين خسروا أنفسهم وعقولهم، ولم يستفيدوا شيئا من أنواع العبر والعظات التي بثها الله في أنحاء هذا الكون.
هذا، ويرى الإمام الشافعى وأتباعه أن الأمن من مكر الله كبيرة من الكبائر، لأنه استرسال في المعاصي اتكالا على عفو الله.
وقال الحنفية إن الأمن من مكر الله كفر كاليأس، لقوله تعالى: {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون} وقوله: {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون} .