وقدم - سبحانه - عداوته للمشركين، على عداوة المؤمنين لهم، لأن عداوة هؤلاء المشركين لله تعالى أشد وأقبح، حيث عبدوا غير خالقهم، وشكروا غير رزاقهم، وكذبوا رسل ربهم وآذوهم.
وفي الحديث القدسى:"إنى والجن والإنس في نبأ عظيم. أخلق ويعبد غيرى، وأرزق ويشكر سواى. . خيرى إلى العباد نازل، وشرهم إلى صاعد، أتحبب إليهم بالنعم. ويتبغضون إلى بالمعاصي".
وعبر - سبحانه - بالاتخاذ الذي هو افتعال من الأخذ، للمبالغة في نهيهم عن موالاة هؤلاء الأعداء. إذ الاتخاذ يشعر بشدة الملابسة والملازمة.
والمفعول الأول لقوله {تَتَّخِذُواْ} قوله: {عَدُوِّي} والمفعول الثاني قوله: {أَوْلِيَآءَ} .
وقوله - سبحانه -: {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة} تفسير وتوضيح لهذه الموالاة التي نهوا عنها أو في موضع الحال من ضمير {لاَ تَتَّخِذُواْ} .
وحقيقة الإلقاء: قذف ما في اليد على الأرض أو في الفضاء، والمراد به هنا: إيصال ما يدخل السرور على قلوب أعدائهم. والباء في قوله: {بالمودة} لتأكيد اتصال الفعل بمفعوله.
أى: احذروا أن تعاملوا أعدائى وأعداءكم معاملة الأصدقاء والحلفاء، بأن تظهروا لهم المودة والمحبة.
ويصح أن تكون الباء للسببية فيكون المعنى: تلقون إليهم بأخباركم التي لا يجوز لكم إظهارها لهم، بسبب مودتكم لهم.
وقد ذكروا أن حاطبا أرسل بهذه الرسالة إلى أهل مكة، عندما تجهز النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه للذهاب إليها لأجل العمرة عام الحديبية، أو لأجل فتح مكة.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : {تُلْقُونَ} بم يتعلق؟
قلت: يجوز أن يتعلق بقوله: {لاَ تَتَّخِذُواْ} حالا من ضميره. . ويجوز أن يكون استئنافا.
والإلقاء: عبارة عن إيصال المودة والإفضاء بها إليهم يقال: ألقى إليه خَراشِىَ صدره - أي أسرار صدره - وأفضى إليه بقشوره.
والباء في {بالمودة} إما زائدة مؤكدة للتعدى مثلها في قوله: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة} وإما ثابتة على أن مفعول تلقون محذوف، ومعناه: تلقون إليهم إخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسبب المودة التي بينكم وبينهم.