وأما المسألة الثانية: وهي آراء العلماء في نزول المائدة: فالجمهور على أنها نزلت.
وقد رجح ذلك ابن جرير فقال ما ملخصه: والصواب من القول عندنا في ذلك أن يقال:
إن الله أنزل المائدة. . لأن الله لا يخلف وعده، ولا يقع في خبره الخلف وقد قال تعالى مخبرا في كتابه عن إجابة نبيه عيسى حين سأله ما سأله من ذلك {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} وغير جائز أن يقول الله إني منزلهاه عليكم ثم لا ينزلها، لأن ذلك منه تعالى خبر، ولا يكون منه خلاف ما يخبر.
وقد علق ابن كثير على ما رجحه ابن جرير فقال: وهذا القول هو - والله أعلم - الصواب، كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم.
ومن الآثار ما خرجه الترمذي عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"أنزلت المائدة من السماء خبزًا ولحما، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد: فخانوا وادخروا ورفعوا لغد فمسخهم قردة وخنازير".
قال الترمذي: وقد روى عن عمار من طريق موقوفا وهو أصح.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب عن ابن عباس، أن عيسى ابن مريم قالوا له ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء. قال: فنزلت الملائكة بالمائدة يحملونها. عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة. فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم.
والذي يراجع بعض كتب التفسير يرى كلاما كثيرًا عما كان على المائدة من أصناف الطعام، وعن كيفية نزولها ومكانه، وعن كيفية استقبالها وكشف غطائها، والأكل منها والباقي عليها بعد الأكل. وهذا الكلام الكثير رأينا من الخير أن نضرب عنه صفحا، لضعف أسانيده، ولأنه لا يخلو عن غرابة ونكارة - كما قال ابن كثير - فقد ذكر - رحمه الله - أثرا طويلا في هذا المعنى ثم قال في نهايته: هذا أثر غريب جدا قطعه ابن حاتم في مواضع من هذه القصة، وقد جمعته أنا ليكون سياقه أتم.
ويعجبني في هذا المقام قول ابن جرير: وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة، فأن يقال: كان عليها مأكول. وجائز أن يكون هذا المأكول سمكا وخبزًا، وجائز أن يكون من ثمر الجنة، وغير نافع العلم به، ولا ضار الجهل به، إذا أقر تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل.
ويرى الحسن ومجاخد أن المائدة لم تنزل، فقد روى ابن جرير - بسنده - عن قتادة قال: كان الحسن يقول: لما قيل لهم: {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ} قالوا: لا حاجة لنا فيها فلم تنزل.
وروى منصور بن زادان عن الحسن أيضًا أنه قال في المائدة: إنها لم تنزل.
وروى ابن أبي حاتم وابن جرير عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال: هو مثل ضربه الله ولم ينزل شيء.
أي: مثل ضربه الله للناس نهيا لهم عن مسألة الآيات لأنبيائه.
قال الحافظ ابن كثير: وهذه أساندي صحيحة إلى مجاهد والحسن وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى. ولس في كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما تتوفر الدواعي على نقله. وكان يكون موجودًا في كتابهم متواترًا ولا أقل من الآحاد.
وقد علق بعض العلماء على كلام ابن كثير هذا فقال: ولنا أن نقول: إن هذا الاستدلال إن كان يعني عدم نزولها فقط، فقد يكون له شيء من الوجاهة وإن كان يعني أنها لا تنزل ولم يسأل، فهو محل نظير كبير، لأن السؤال مالم ينته بإجابة كونية فعلية تبرز بها المائدة للناس ويرونها بأعينهم ويلمسونها بأيديهم فلا يعد بذلك مما تتوافر الدواعي على نقله، لا سيما وعيسى في بيئة محصورة: جماعة سألوا وأجيبوا، وانتهى الأمر برجوعهم عما سألوا فعدم تواتر سؤالها في كتب النصارى أو عدم وجوده فيها لا يستغرب كما يستغرب الأمر فيما لو نزلت المائدة فعلا ورآها الناس فعلا وأكلوا منها. وتذوقوا طعامها، ولم يذكر عن ذلك شيء.
وقد ذكر القرآن هذه الحقيقة ابتداء وانفرد بها عن سائر الكتب، ولا يلزم أن يكون كل ما قصه الله تعالى في القرآن قد قصه في غيره من الكتب المتقدمة، ولا أن أصحاب الأناجيل علموا بكل شيء حتى بمثل هذه المحاورة الخاصة التي لم تنته بحادث كوني حتى يكون عدم ذكرهم إياها في أنا جيلهم - التي وضعوها - دليلا على عدم سؤالها. فقصة السؤال إذن لم ترد فيما عند النصارى ولكنها وردت فيما عند المسلمين.
ومن الجائز أن تكون مما ورد في الأناجيل، وأن تكون مما أخفاه أهل الكتاب أو ضاع منهم علمه بسبب ما. والقرآن كما وصف بنفسه مهيمن على كتبهم التي وصفها بأنهم حرفوها وأنهم كانوا يخفون كثيرًا منها، وأنه يبين لهم كثقيرا مما كانوا يخفون.
هذا ومما سبق يتبين لنا أن العلماء متفقون على أن الحواريين قد سألوا عيسى أن يدعو ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء، وأن عيسى قد دعا ربه فعلا أن ينزلها، كما جاء في الآية الكريمة.
ومحل الخلاف بينهم أنزلت أم لا؟
فالجمهور يرون أنها نزلت لأن الله وعد بذلك في قوله {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} والحسن ومجاهد يريان أنها لم تنزل، لأن الوعد بنزلوها مقيد بما رتب علي من وقوع العذاب بهم إذا لم يؤمنوا بعد نزولها، وأن القوم بعد أن سمعوا هذا الشرط قالوا: لا حاجة لنا فيها. فلم تنزل. ويبدو لنا أن رأى الجمهور أقرب إلى الصواب، لأن ظاهر الآيات يؤيده، وكذلك الآثار التي وردت في ذلك.