والكرامة ورفيع المرتبة بما هو أهل له. وأمره بالانصراف و جنده، ورجع الموفق في السفينة في نهر أبي الخصيب، وجند لؤلؤ يسايرونه، فلما حاذى دار المهلبي، لم ير بها أحدا من جنده، فعرف أنهم قد انصر فوا، فاشتد غيظه عليهم، وسار قاصدة لقصره، وأمر لؤلؤ بالمضي بجنده الى معسكره، وأيقن بالفتح لما رأى من بشائره وأماراته. و أستبشر الناس جميعا بما هيأ الله من هزيمة الفاسق وجنده وإخراجهم من مدينتهم، واستباحة كل ما كان لهم من مال وذخيرة وسلاح، واستنقاذ جميع من كان في أيديهم من الأسرى. وكان في نفس الموفق أبي أحمد على أصحابه من الغيظ لمخالفتهم أمره، وتركهم مواقعهم بدون أمره. فجمع القادة والرؤساء، روبخهم على ما
كان منهم، وأغلظ لهم، وبين لهم عجزهم. فاعتذروا بما ظنوه من انصرافه، وانهم لم يعلموا بمسيره الى الفاسق ووصوله إلى حيث وصل من معسكره، وأنهم لو عرفوا ذلك لأسرعوا نحوه، ولما برحوا موضعهم، وتحالفوا وتعاقدوا على ألا ينصرف منهم أحد إذا توجهوا نحو الخبيث، حتى يظفرهم الله به، فإن أعياهم ذلك، أقاموا مواضعهم حتى يحكم الله بينهم وبينه. وسألوا الموفق ان يأمر برد السفن التي يعبرون فيها الى الموفقية عند خروجهم منها للحرب، لتقطع أطماع الذين يريدون الرجوع عن حرب الفاسق من ذلك، فجزاهم الموفق أبو أحمد الخير على تنصلهم من خطئهم. ووعدهم الإحسان، وأمرهم التأهب للعبور، وأن يعظوا أصحابهم بمثل الذي وعظوا به. وأقام الموفق في معسكره أربعة أيام تم خلالها إصلاح ما يحتاج للإصلاح، فلما كمل ذلك، تقدم إلى من يثق إليه من خاصته وقادة جنده و مواليه. وحدد لهم بدقة ما يجب عليهم عمله في وقت عبورهم. ثم أمرهم باحتلال مواقعهم التي عينها لكل واحد منهم، وتمت التحضيرات بدقة مثيرة. ولم يبق إلا إعطاء الشارة لبدء الهجوم الجديد.
كان الخبيث صاحب الزنج وأصحابه قد رجعوا إلى المدينة بعد انصراف جيش الموفق عنها، وأقاموا بها، وأملوا أن تنطاول بهم الأيام، وتتدافع عنهم المناجزة، فوجد الموفق المتسرعين من مشاة جنده و فرسانهم وقد سبقوا الكتلة الرئيسة للجيش، وانقضوا على الخبيث وأصحابه فطردوهم عن مواقعهم، فانهزم الزنج وتفرقوا لا يلوي بعضهم على بعض، واتبعهم الجيش يقتلون ويأسرون من لحقوا منهم، وانعزل الخبيث في جماعة