أقبل موسم الحج من سنة 317 ه = 929 م. وسارت قوافل الحجاج من بغداد - وعليها منصور الديلمي - ووصلت إلى مكة المكرمة بسلام، وأدى الحجاج مناسك الحج؛ فلما كان يوم التروية - وهو من أشرف الأيام - بوغت الحجاج بانقضاض القرامطة عليهم، فنهبوا أموالهم، واستباحوا قتالهم في رحاب مكة وشعابها، وحتى في المسجد الحرام وفي جوف الكعبة - فيما كان رئيسهم أبو طاهر - قد اتخذ له مجلسا عند باب الكعبة وهو يرقب ما يجري حوله، والرجال تصرع، والسيوف تعمل في الناس. وتفجر حقده على المسلمين المؤمنين حجاج بيت الله الحرام (*) . وكان الناس يفرون منهم فيتعلقون بأستار الكعبة، فلا يغني عنهم ذلك شيئا، فيقتلهم القرامطة وهم على ذلك، وتابع يوم الطواف، فلحقتهم سيوب القرامطة وأفنتهم (**) . ودخل رجل من القرامطة إلى دائرة الطواف وهو راكب على فرسه، وفي حالة السكر، فبال فرسه عند البيت، ثم ضرب الحجر الأسود بدبوس - مخل - فكسره ثم اقتنعه، وألحد هذا اللعين في المسجد الحرام إلحادة لم يسبقه إليه أحد ولا يلحقه فيه أحد (1) . وأرسل القرامطة الحجر الأسود إلى مدينتهم وقاعدتهم - هجر .. وخرج أمير مكة يومها - ابن محارب - ومعه جماعة من الأشراف، فسألوا صاحب القرامطة أموالهم. فلم يقبل فقاتلوه، فقتلهم أجمعين. وأمر صاحب القرامطة - أبو طاهر - بقلع باب البيت الحرام، فقلع، وأصعد رجلا ليقلع الميزاب، فسقط الرجل ومات. وطرح القتلى في بئر زمزم ودفن الباقين في المسجد الحرام حيث قتلوا، بغير کفن ولا غسل ولا صلى أحد على أحد منهم. وجرد
(*) قال القرمطي أبو طاهر - وقد تناثرت أشلاء الحجاج المسلمين حوله:> أنا
الله وبالله أنا يخلق الخلق وأفنيهسم أنا
(**) كان بعض أهل الحديث يومئذ يطوف، فلما قضى طوافه أخذته السيوف، فقال وهو يلفظ أنفاسه:
ترى المحبين صرعي في ديارهم كفتية الكهف لا بدرون كم لبثوا
(1) قال القرمطي لما اقتلع الحجر الأسود شعرة يدل على عظيم زندقته. وكان مما قاله:
فلو كان هذا البيت لله ربنا لصب علينا النار من فوقنا صبا أنا حججنا حجة جاهلية محللة لم تبق شرقا ولا غربا وأنا تركنا بين زمزم والصفا جبابر لا نبقى سوى ربها ربا