تنفس الروم الصعداء بزوال الحكم الأموي الذي جثم على صدرهم، والذي وضع منذ أيام معاوية بن أبي سفيان نهجا ثابتة بالتضييق على الروم، وشد وثاقهم؛ فلا حدث التحول، قام ملك الروم - قسطنطين - بقيادة جيوشه إلى ملطية و كمخ؛ فنازل كمخ؛ فأرسل أهلها إلى أهل ملطية يستنجد و نهم؛ فسار إليهم منها ثمانمائة مقاتل، فقاتلهم الروم؛ فانهزم المسلمون. ونازل الروم ملطية وحصروها؛ والجزيرة يومئذ مفتونة بالقتال بين العباسيين والأمويين (سنة 133 ه = 750 م) . فأرسل قسطنطين إلى أهل ملطية:: إني لم أحصرم إلا على علم من المسلمين واختلافهم؛ فلكم الأمان وتعودون إلى بلاد المسلمين حتى أحترت ملطية. فلم يجيبوه إلى ذلك؛ فنصب المجانيق، فأذعنوا وسلموا البلد على الأمان؛ وانتقلوا إلى بلاد الإسلام؛ وحملوا ما أمكنهم حمله؛ وما لم يقدروا على حمله ألقوه في الآبار والمجاري. ورحلوا عنها عائدين؛ وتفرق أهلها في بلاد الجزيرة. ولما علم ملك الروم برحيلهم سار إلى قالبقالا؛ فنزل مرج الخصي؛ وأرسل کوشان الأرمني فحصرها، ونقب أخوان من الأرمن من أهل المدينة ردما كان في سورها؛ فدخل کوشان ومن معه المدينة، وغلبوا عليها؛ وقتلوا رجالها وسبوا النساء، وساق الغنائم إلى ملك الروم (*) . ولم يكن باستطاعة أمراء العباسيين إغضاء الطرف عما كان يحدث على حدود بلاد الروم. فلما
كانت سنة 138 ه = 755 م. تولى (صالح بن عبدالله) قيادة الصائفة ومعه أختاه أم عبسي ولبابة بنتا على - وكانتا نذرتا أن تجاهدا في سبيل الله - إن زال ملك بني أمية. وكان معه أيضا (العباس بن محمد بن علي) و (عيسي بن علي بن عبدالله) . وبني صالح ما كان ملك الروم أخربه من سور ملطية، وقام المنصور
(*) الكامل في التاريخ - احداث سنة 133 و 139 ه وتاريخ الطبري أحداث سنوات 138 ه. و 139