فاستفدى من ملك الروم أسرى (قالبقالا) وغيرهم؛ وبناها وعمرها ورد اليها أهلها؛ وندب إليها جندا من أهل الجزيرة فأقاموا بها وحموها. وتكررت الصوائف من دربي الحدث وملطية (بقياة جعفر بن حنظلة المهراني والحسن بن قحطبة) . وأقبل صاحب الروم - قسطنطين - في مائة ألف مقاتل؛ ونزل جحان؛ فلما بلغه كثرة المسلمين أحجم عنهم، ثم لم يكن بعد ذلك صائفة حتى سنة 141 ه. بسبب انصراف (المنصور) للقضاء على فتنة (عبدالله بن الحسن) . وقد كانت الاضطرابات الداخلية حافزة للتحرك على الحدود ففي سنة 145 ه. خرجت الترك والخزر بباب الأبواب (با کو حاليا) فقتلوا من المسلمين بأرمينية جماعة كثيرة. فقام مالك بن عبدالله الخثعمي - وهو من أهل فلسطين ويقال له: مالك الصوائف - بغزو بلاد الروم؛ فغن غنائم كثيرة؛ ثم قفل؛ فلما وصل إلى درب الحدث على خمسة عشر ميلا موضع يدعى (الرهوة) نزل بها ثلاثة؛ وباع الغنائم؛ وقسم سهام الغنيمة؛ فسميت تلك الرهوة باسم (رهوة مالك) .
عاد الترك بقيادة إسترخان الخوارزمي للاغارة على ناحية أرمينية، ودخلوا تفليس، رسبوا من المسلمين وأهل الذمة خلقة كثيرة. وبلغ ذلك أبا جعفر المنصور؛ فرجه لحربهم جبرئيل بن يحي؛ وأمر حرب بن عبد الله الراوندي
بالقوة التي معه في الموصل لاخضاع الخوارج بالجزيرة، للتوجه ودعم جبرئيل? وسار (حرب) ومعه ألفان من الجند. فانتصر عليهم الترك وهزم جبرئيل وقتل حرب ونكب المسلمون (سنة سبع وأربعين ومائة) . فلما كانت السنة التالية وجه المنصور جيشا بقيادة (حميد بن قحطبة) لحرب الترك في أرمينية، فسار حميد حتي دخل تفليس، فوجد أن الاتراك قد ارتحلوا؛ فانصرف ولم يلق منهم أحدة. ولم تحدث بعد ذلك مواجهة أو غزو حتى سنة 102 ه) حيث تولى محمد بن إبراهيم الامام. وقيل أخوه عبد الوهاب بن إبراهيم - قيادة الصائفة. ولكنه توقف عن الغزو ولم يدخل (الدروب) . وفي السنة التالية (153 ه) غزا الصائفة (معروف بن يحي الحجوري) فصار إلى حصن من حصون الروم ليلا، وأهله نيام، فسبي وأسر من كان فيه من المقاتلة، ثم صار إلى اللاذقية المحترقة، ففتحها وأخرج منها ستة آلاف رأس من