كادت تذهب بعقولهم. وتقدم أبو عبد الله من إمامه أبي عبيد الله وابنه أبي القاسم فأر كبها، ومشى هو ورؤساء القبائل بين أيديها، وأبو عبد الله يقول للناس وهو يبكي من شدة الفرح: و هذا مولام». ووصل الركب إلى - سجلماسة - فنزل فيها أربعين يوما. وسار أبو عبد الله إلى أفريقية، وأحضر الأموال من - أنكجان - فجعلها أحمالا وعاد بها إلى رقادة فوصلها (سنة 297 ه = 909 م) . وسار أبو عبيد الله من سجلماسة نحو - رقادة - فلما قرب منها، تلقاه أهلها وأهل القيروان، وعلى مقدمتهم أبو عبد الله ورؤساء كتامة مشاة بين يديه، وولده أبو القاسم خلفه، فسلموا عليه، فرد ردة جميلا وأمرهم بالانصراف. ونزل بقصر من قصور رقادة. وأمر يوم الجمعة بذكر اسمه في الخطبة في البلاد، وتلقب بلقب - المهدي أمير المؤمنين - وجلس بعد صلاة الجمعة رجل يعرف - بالشريف - ومعه الدعاة، وأحضروا الناس بالعنف والشدة، ودعوهم إلى مذهبهم، فمن أجاب أحسن إليه، ومن أبي حبس، فلم يدخل في مذهبهم إلا بعض الناس - وهم قليل - وقتل كثيرة ممن لم يوافقهم على مذهبهم. وعرض عليه أبو عبد الله جواري زيادة الله، فاختار منهن كثيرة لنفسه ولولده أيضا، وفرق ما بقي على وجوه كتامة. وقسم عليهم أعمال افريقية، ودون الدواوين، وجبي الأموال، واستقرت قدمه، ودانت له أهل البلاد، واستعمل العال عليها جميعها، واستعمل على جزيرة صقلية - الحسن بن أحمد بن أبي الخنزير - ولكن هذا أساء السيرة في أهل صقلية وظلمهم، فثاروا به وأخذوه وحبسوه، وكتبوا إلى المهدي بذلك واعتذروا فقبل عذرهم، واستعمل عليهم - علي بن عمر البلوي - فوصل إلى صقلية في نهاية سنة 299 ه. هكذا زال ملك بني الأغلب رملك بني مدرار - الذين منهم اليسع - وكان لهم ثلاثون ومائة سنة منفردين بسجلماسة. وزال ملك بني رستم بن تاهرت. وهم ستون ومائة سنة تفردوا بتاهرت. وملك المهدي افريقية جميعها.
لم يجتمع سيفان في غمد واحد، ولم يجتمع ملكان إلا أخرج أحدهما الآخر. فلا الغمد بنسع لسيفين، ولا المملكة نستقيم لأكثر من حاكم. وهكذا فقد كان
فن الحرب ق 3 م 12