الموقف، فتقرب إلى الحسن، وضمه إلى الشيعة، وقال له: «هؤلاء القوم قد طمعوا فيك، والمعز لك مثل الوالد، فإن شئت كاتبته ليشد منك، ويكون من وراء ظهرك، فرد عليه الحسن: رأي واللله، قد أحرقوا قلبي .. وكتب إلى المعز يخبره. وأراد المعز الاستجابة لطلب الحسن، والإفادة من هذه الفرصة، لكن أم المعز منعته من ذلك، وسألته تأخير كل عمل لتحج خفية - وتستطلع أحوال مصر - فأجابها. و حجت، فلما وصلت إلى مصر، علم الاستاذ كافور الإخشيدي، فجاء إليها وخدمها وحمل إليها الهدايا، وبعث في خدمتها أجنادة، فلما رجعت من حجها، منعت ولدها المعز من غزو مصر، ثم تطورت الأحداث لمصلحة المعز لدين الله، فقد تحرك الروم وقاموا بغزو بلاد الشام، واستولوا على الثغور وطرسوس وأنطاكية وأذنة وعين زربة والمصيصة وغيرها، وفرح المعز بمصاب المسلمين. وبلغه أن بني بويه قد غلبوا على بني العباس، حتى لم يعد لأمراء المسلمين العباسيين أمر ولا نهي، فاشتد طمعه في البلاد. ومات كافور الإخشيدي فاختلفت القلوب في مصر، ووقع بها غلاء شديد، وامتلأت البلاد رفضأ وتشبعة وسبة للصحابة. ففي بغداد أصبح معز الدولة البويهي - والبويهيون من الشبعة. هو المستبد بأمور الدولة، واستبد بنو حمدان ببلاد الشام. وتحكم العلويون بإفريقية، والقرامطة بعيشون في الأرض فسادة - وكل ملوك البلاد - مصرة وشامة وعراقة وخراسان وغير ذلك من البلاد كانوا رفضة، وكذلك الحجاز وغيره، فكثر السب والتكفير منهم للصحابة. وباتت كل الظروف مناسبة للاستيلاء على مصر - فشرع المعز لدين الله بالعمل لاغتنام الفرصة.
جهز المعز لدين الله جيشا ضخا من مائة ألف مقاتل، وعين لقيادته وزيره جوهر الصقلى. وأصحبه من الأموال والخزائن ما لا يحمي، وأطلق بده في جميع ذلك، وأفرغ الذهب في صور الأرحاء - حجر الطاحون - وحملها على الجمال لعظم ذلك في قلوب الناس (*) . وسار جوهر بجيشه، فلا اتصل خبر مسيره إلى جند الجيش
(*) وفي ذلك قال شاعر الأندلس محمد بن هاني، قصيدته المشهورة وهي:
رأيت بعيني فوق ما كنت أسمع وقد راعني يوم من الحشر أروع غداة كأن الأفقد بمثله فعاد غروب الشمس من حبث تطلع