أهل افريقية: «بانه لم يدخل إليهم من السي مثله قط. وأقام يوسف بلكين بتلك الناحية قاهرة لأهلها، وأهل سبتة منه خائفون، وزناته هاربون (من سنة 365 ه = 975 م) و كانت لهم وقائع كثيرة مع قوات يوسف بلكين وعماله - ولاته - حتى إذا ما كانت سنة 373 ه = 983 م. تقدم خزرون الزناتي بقواته ودخل - سجلماسة - وطرد عامل يوسف بلكين ونهب ما فيها من الأموال والعدد. وفي الوقت ذاته تولى - فاس زيري بن عطية الزناتي - قيادة قوة أخرى من زناتة، فهاجم فاس وتغلب عليها وطرد عامل يوسف، وأسرع يوسف بلكين فقاد جيشه لحرب زناتة الثائرة، ووصل إلى - وارقلين - وهناك اعتل بالقولنج، ومات بعد أن أوصى بولاية ابنه المنصور (*) الذي كان بمدينة أشير - تلمسان .. نجلس للعزاء بأبيه، وأتاه أمل القيروان وسائر البلاد يعزونه بأبيه ويهنئونه بالولاية. فأحسن إلى الناس، وقال لهم: «إن أبي يوسف وجدي زبري كانا يأخذان الناس بالسيف، وأنا لا آخذهم إلا بالإحسان، ولست ممن يولى بكتاب ويعزل بكتاب - يعني أن الخليفة بمصر لا يقدر على عزله بكتاب، ثم سار إلى القيروان. وسکن برقادة، وولى الأعمال واستعمل الأمراء. وأرسل هدية عظيمة إلى العزيز بالله بمصر - قيل إن قيمتها بلغت ألف ألف دينار .. ثم عاد إلى أشير واستخلف على جباية الأموال بالقيروان والمهدية وجميع افريقية رجلا يقال له - عبدالله بن الكاتب ..
أدرك العزيز بالله نزار خطر المنصور، ونزوعه للاستقلال بأمور افريقية، وذلك رغم ما أظهره المنصور من المداهنة والرياء - بإرسال الهدايا الثمينة - نبعث رجلا من
(*) كان المعز بن المنصور العبيدي قد استخلف يوسف بلكين على افريقية عند توجهه إلى الديار المصرية سنة 341 ه. وأمر الناس بالسمع والطاعة له، وسلم إليه البلاد، وخرجت العمال و جباة الأموال باسمه. وأوصاه المعز بأمور كثيرة، وأكد عليه في فعلها. ثم قال: (إن نسيت ما أوصيك به فلا تنس ثلاثة أشياء: إياك أن ترفع الجباية عن أهل البادية، والسيف عن البربر، ولا تول أحدة من اخوانك وبني عمك، فإنهم يرون أنهم أحق بهذا الأمر منك. وافعل مع أمل الحاضرة - المدن - خيرة .. وأحسن يوسف بلكين السيرة في إدارة بلاده، والنظر في مصالح رعيته، إلى أن توفي في دار کلان - أو وارقلين - السبع بقين من ذي الحجة سنة 373 ه = 183 م. وقد توفي عن أربعمائة حظية، حتى قيل أن البشائر قد رفدت عليه بولادة سبعة عشرة ولدة في يوم واحد.