مالك على مغادرة القيروان والانسحاب منها.
لقد كان هذا الصراع شرة كله، وكان شر ما فيه هو استطالاته عبر البحر إلى الجزر التي كانت للمسلمين - وخاصة صقلية، حيث كان يصطرع على أرضها أصحاب حكام مصر مع أصحاب أفريقية، وهو الصراع الذي وصل نهايته سنة
484 ه = 1091 م. عندما استولى الفرنج على جزيرة صقلية، وأصبح روجر ملكة عليها، وأسكنها الروم والفرنج. ولم يترك لأحد من أهلها - المسلمين - حمامة ولا دكانا ولا طاحونة. وسلك طريق المسلمين في تنظيم الحجاب والحرس والشرطة وغير ذلك، وخالف عادة الفرنج الذين لم تكن لديهم معرفة بذلك. وجعل له ديوانا للمظالم. ترفع إليه شكوى المظلومين، فينصفهم ولو من ولده. وأكرم المسلمين وقربهم، فأحبوه، وعمر أسطوة كبيرة، وملك الجزائر التي بين المهدية وصقلية، مثل مالطة وقوصرة وجربة وقرفنة وتطاول إلى سواحل إفريقية.
لم يكن الموقف على الجبهة الداخلية في مصر بأفضل مما كان على الجبهة الداخلية في افريقية. فقد انحل أمر الخلافة في القاهرة. وفسدت أحوال المستنصر بالله العلوي بسبب تحكم والدته التي كانت غالية على أمره. وقد عينت وزيرة ها - اليهودي أبا سعبد ابراهيم النستري، الذي أشار عليها بتعيين أبي نصر الفلاحي في الوزارة ولكن الفلاحي أخذ في تدبير الأمور بمفرده، مما أغضب التستري، وخاف الفلاحي، فاصطنع الغلمان الأتراك و استالهم وزاد في أرزاقهم. فلما وثق بهم أمرهم بقتل اليهودي فقتلوه. وغضبت أم المستنصر فأغرت به ولدها فقبض على الفلاحي فقتله. وعينت أم المستنصر بعده الوزارتها - أبا البرکات حسن بن محمد، وكلفته با فساد أحوال الأتراك وإضعافهم، وشراء العبيد للمستنصر والاستكثار منهم، ثم أمرته باغراء العبيد لقتل الأتراك، فخاف أبو البركات عاقبة ذلك وعلم انه يورث شر وفسادة، فرفض ولم يفعل، فعزلته أم المستنصر. وعينت مكانه - أبا محمد البازوري وهو من قرية من قرى الرملة اسمها باژور. وأمرته أيضا بز زاك قام يفعل، وأصلح الأمور إلى أن قتل، وحل محله في الوزارة - أبو عبد الله الحسين بن البابلي -. فأمرته أم المستنصر بما أمرت به غيره من الوزراء بإغراء العبيد لقتل الاتراك، ففعل. وتغيرت نيات الاتراك تجاه المستنصر. فلا