كان يوم خروج الحجاج من مصر (سنة 460 ه 1073 م) ركب المستنصر لتشييع الحجاج. فنقدم بعض الاتراك بفرمه حتى وصل إلى صف العبيد المحدثين الذين كانوا يحيطون بالمستنصر، فضربه أحدهم فجرحه. فعظم ذلك على الأتراك، ونشبت بينهم الحرب، ثم اصطلحوا على تسليم العبد الذي ضرب الجندي التركي وجرحه. واستحكمت العداوة، فقال الوزير للعبيد: خذوا حذركم. فاجتمعوا في معسكرهم. وعرف الأتراك ذلك، فاجتمعوا إلى مقدميهم وتصدوا - ناصر الدولة أبا علي الحسن بن حمدان وهو من أولاد ناصر الدولة بن حمدان بمصر، وكان قد نقدم فيها تقدمة عظيأ وأصبح اكبر قائد بمصر - وشكوا إليه أمرهم. واستا لوا المصامدة و كنامة وتعاهدوا وتعاقدوا. فقوي الأتراك وضعف العبيد المحدثون، فخرجوا من القاهرة إلى الصعيد، ليجتمعوا هناك، فانضم إليهم خلق كثير حتى زاد عددهم على الخمسين ألف فارس وراجل. فخاف الأتراك وشكوا إلى المستنصر، فأخبرهم أنه لا علم له بما فعل العبيد، وأنه لا حقيقة لما قالوه. فظنوا قوله حيلة لخداعهم. ثم قوي الخبر بقرب العبيد منهم بكثرتهم، فأجفل الأتراك و كتامة والمصامدة وكانت عدتهم ستة آلاف مقاتل، والتقوا عند. كوم الريش - واقتتلوا، فانهزم الاتراك ومن معهم نحو القاهرة. وكان بعضهم قد كمن في خمسمائة فارس. فلما انهزم الأتراك، خرج الكمين على مؤخرة العبيد ومن معهم، وحملوا عليهم حملة منكرة، وضربت البوقات، فارتاع العبيد وظنوها مكيدة من المستنصر، وأنه قد ركب في باقي العسكر، فانهزموا. وعاد عليهم الأتراك، وحكموا فيهم السيوف. فقتل منهم وغرق نحو أربعين ألفا. وكان يوما مشهودة. وقويت نفوس الأتراك. وعرفوا حسن رأي المستنصر فيهم وتجمعوا وحشدوا، فتضاعفت عدتهم، وزادت حاجتهم للانفاق فيهم، ففرغت الخزائن واضطربت الأمور. وتجمع باقي الجند من الشام وغيره في الصعيد، وانضم إليهم العبيد. فصاروا خمسة عشر ألف فارس وراجل، وساروا إلى الجيزة. فخرج عليهم الأتراك ومن معهم واقتتلوا في الماء عدة أيام ثم عبر الأتراك النيل إليهم مع ناصر الدولة بن حمدان، فاقتتلوا، وانهزم العبيد إلى الصعيد، وعاد ناصر الدولة والأتراك منصورين، وأعاد العبيد تنظيم قواتهم في الصعيد واجتمع لهم خمسة عشر ألف فارس
فن الحرب ق 1933