وسار (توفيل) على نهج من سبقه من ملوك الروم، فاختار (الفدية التي توجب الذمة) . وتم الصلح أو المهادنة. ولكن لم يكن باستطاعة أمير المؤمنين (المأمون الاعتماد على العهود والمواثيق - بعد أن تكرر نکث الروم وغدرهم. فوجه ابنه(العباس) إلى (طوانة) وأمره ببنائها لتكون ثغرة حصينة من ثغور المسلمين في بلاد الروم، وأرسل له الفعلة والفروض؛ فابتدأ البناء؛ وبناها ميلا في ميل؛ وجعل سورها على ثلاثة فراسخ؛ وجعل لها أربعة أبواب، وبني على كل باب حصنة. ثم كتب المأمون إلى أخيه (إسحق ابن الرشيد) بفرض أربعة آلاف رجل على جند دمشق وحمص والأردن وفلسطين؛ وأن يخصص لكل فارس مائة درهم ولكل راجل أربعين درهما؛ وفرض على مصر فرضا. وكتب إلى (العباس) بما فرضه على قنسرين والجزيرة؛ وإلى (إسحق بن إبراهيم) بما فرضه على أهل بغداد وهم ألفا رجل. وخرج بعضهم حتى وافي (طوانة) ونزلها مع العباس.
هكذا توقفت مرة أخرى الصوائف، ويظهر أن ملك الروم كان بحاجة لسلم مؤقت أو هدنة محدودة بمثل ما كان يحتاجها أمير المؤمنين (المأمون) . ويمكن صرف النظر عن (التحديات أو المبارزات الكلامية) . فقد كان هناك ثمة نوع من التوازن في الصراع؛ ولم تتأثر دولة الروم تأثرا كبيرا بضياع حصن أو تدمير قلعة أو اجتياح اقليم، واستمرت في حربها: و كانت تضغط على حكام وأمراء المسلمين بما تأخذه من الأسرى، ثم لتبادل عليهم أو تفتديهم بمن يماثلهم من الأسرى. وصحيح أن الحملات التي قادها الرشيد ثم قادها المأمون من بعده؛ قد بلغت من الضخامة، ومن الحجم، ما لم تبلغه حملة أخرى - في العهد الأموي - إلا أن عدم انتظام الصوائف قد أفسح الفرصة أمام الروم لتنفس الصعداء، والعمل في الوقت ذاته للافادة من فترات الهدوء لزيادة قدراتهم القتالية، وحشد قوات ضخمة لم تتح لهم فرصة من قبل لحشد مثلها: مع الامساك - أو حتى محاولة الإمساك بالمبادأة. وكان ذلك بمثابة تحول حاسم في الصراع على جبهة الروم.