إلى نفسك؛ وفي علمك كاف عن إخبارك. وقد كنت كتبت إليك داعية إلى المسالمة، راغبة في فضيلة المهادنة، لتضع أوزار الحرب عنا، ونكون كل واحد لكل واحد ولية وحزبة: مع اتصال المرافق والفسح في المتاجر؛ وفك المستأسر؛ وأمن الطرق والبيضة - المدن - فإن أبيت فلا أدب لك في الخمر (*) ولا أزخرف لك في القول؛ فإني لحائض إليك غارها؛ آخذ عليك أسدادها - حواجزها وعوائقها - شان خيلها ورجالها، وإن أفعل فبعد أن قدمت المعذرة، بيني وبينك علم الحجة والسلام .. فكتب إليه المأمون: «أما بعد! فقد بلغني كتابك فما سألت من الهدنة، ودعوت إليه من الموادعة، وخلطت فيه من اللين والشدة؛ مما استعطفت به؛ من شرح المتاجر واتصال المرافق وفك الأساري ورفع القتل والقتال؛ فلولا ما رجعت إليه من أعمال التؤدة والأخذ بالحظ في تقليب الفكرة، وألا أعتقد الرأي في مستقبله إلا في استصلاح ما أوثره في معتقبه؛ لجعلت جواب كتابك خيلا تحمل رجالا من أهل الباس والنجدة والبصيرة بنازعونكم عن ثكلكم ويتقربون إلى الله بدمائكم؛ ويستقلون في ذات الله ما نالهم من ألم شو کتکم؛ ثم أوصل إليهم من الإمداد؛ وأبلغ لهم كافية من العدة والعتاد؛ هم أظأ إلى موارد المنايا منكم إلى السلامة من مخوف معرتهم عليکم؛ موعدهم إحدى الحسنيين: عاجل غلبة أو كريم منقلب؛ غير أني رأيت أن أتقدم إليك بالموعظة التي يثبت الله بها عليك الحجة؛ من الدعاء لك ولمن معك إلى الوحدانية والشريعة الحنيفية؛ فإن أبيت ففدية توجب الذمة، وتثبت نظرة؛ وإن تركت ذلك، ففي يقين المعاينة لنعوتنا ما يغني عن الإبلاغ في القول والإغراق في الصفة. والسلام على من اتبع الهدي.
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يوجه فيها (أمير المؤمنين) موعظة إلى (ملك الروم باختيار واحدة من ثلاث: الاسلام أو(الفدية التي توجب الذمة) أو الحرب.
(*) الحمر - بالتحريك: كل ما واراك من شجر أو بناء أو غيره. وخر کفرح: تواري. ومن أمثال العرب: ابد له الضراء ريشي الخمر) والضراء كسحاب: الشجر الملتف في الوادي - بقال: (تواري الصيد في ضراء) و (فلان يمشي الفراء) إذا مشي مستخفيا فيا بواري من الشجر - مثل يضرب للرجل يختل أو يخدع صاحبه - تاريخ الطبري - احداث سنة 217 ه