أمام وقوع الصراعات بين هذه القرى بعضها ضد بعض. و كان الروم قد انتقلوا منذ حين - على نحو ما سبق ذكره - للهجوم الشامل على بلاد المسلمين. وجاءت غزوات (سيف الدولة) لتعمل على إيقاف الموقف المتدهور - بصورة مؤقتة، غير أنها كانت عاجزة عن تحويل التبار لمصلحة المسلمين بصورة نهائية؛ إذ أن مثل هذا التحويل كان يتطلب تغيير موازين القوى؛ فكان الطرف الأكثر قدرة على استنزاف قدرة الخصم هو الطرف الأكثر حظا في توجيه الصراع لمصلحته. وقد تبين أن (غزوات سيف الدولة) لم تستنزف شيئا من قدرة الروم؛ بل إن الأمر وقع على نقيض ذلك؛ فقد استنزفت هذه الحروب قدرة الحمدانيين؛ وأضعفت من قدرة (سيف الدولة) . وهذا ما أكدته مسيرة الصراع.
ففي سنة 348 ه = 959 م ي غزت الروم طرسوس والرها؛ فقتلوا وسبوا وغنموا وعادوا سالمين؛ وكان في جملة الأسري (محمد بن ناصر الدولة) . وفي السنة التالية (349 ه = 160 م) غزا سيف الدولة بلاد الروم ومعه ثلاثون ألفا، فأحرق وفتح عدة حصون؛ وأخذ من السي والغنائم والأسرى شيئا كثيرا، وبلغ إلى خرشنة؛ ثم إن الروم أخذوا عليه المضايق. فلما أرادوا الرجوع قال أهل طرسوس لسيف الدولة:، إن الروم قد ملكوا الدرب خلف ظهرك، فلا تقدر على العود منه، والرأي أن ترجع معنا، فلم يقبل منهم؛ وتمسك برأيه واستبد؛ وعاد في الدرب الذي دخل منه، فظهر الروم عليه - انتصروا - واستردوا ما كان مع سيف الدولة من الغنائم؛ وأخذوا أثقاله ووضعوا السيف في أصحابه؛ فأتوا عليهم قتلا وأسرة. وتخلص هو في ثلاثمائة رجل بعد جهد ومشقة. أما أهل طرسوس فخرجوا من درب آخر فسلموا. وفي سنة 350 ه = 991 م. سار قفل عظيم من انطاكية إلى طرسوس؛ ومعهم صاحب انطاكية، فخرج عليهم كمين للروم، فأخذ من كان فيها من المسلمين؛ وقتل كثيرة منهم، وأفلت صاحب انطاكية وبه جراحات. ثم دخل (نجا) غلام سيف الدولة؛ بلاد الروم من ناحية ميافارقين غازية، فغنم ما قيمته قيمة عظيمة وسبي وأسر وخرج سالمأ.