ففي سنة 308 ه = 198 م. أقبل نقفور عظيم الروم بجيوشه إلى الشام، فخرج من (دربند - وهي التي تسمى باب الأبواب، أوباكو حاليا) ونازل انطاكية، فلم يلتفتوا إليه، فقال: «أرحل وأخرب ثم أعود إليكم من الساحل .. ورحل ونازل (معرة مصرين - بنواحي حلب) فأخذها وغدر بأهلها وأسر منهم أربعة آلاف وستمائة نفس؛ ثم نزل على (معرة النعمان) فأحرق جامعها. وكان الناس قد هربوا في كل وجه إلى الحصون والبراري والجبال: ثم سار إلى (كفر طاب) وهي بين المعرة وحلب. وملك (قلعة شيزر) ثم سار إلى حماه وحمص؛ وكان أهلها قد رحلوا عنها وأخلوهاي فدخلها وصلى في البيعة، وأخرج منها رأس (يحيى بن زکريا) وأحرق الجامع؛ ثم أحرق المدينة، وسار إلى (عرقة) وكان حاکم طرابلس قد أخرجه أهلها لشدة ظلمه فقصد عرقة؛ وجاء الروم فحصروها وملكوها، وأخذوا جميع أموال حاکم طرابلس السابق - ثم أحرقها، وأحرق طرابلس وسار في بلاد الساحل؛ فأتى عليها نهب وتخريبا وملك ثمانية عشر منبرة؛ فأما القرى فكثير لا يحصى. وأقام في الشام شهرين؛ بقصد أي موضع شاء، ويخرب ما شاء؛ ولا يمنعه أحد. إلا أن بعض العرب كانوا يغيرون على أطراف قواته. وأتاه جماعة منهم وتنصروا؛ وكادوا المسلمين من العرب وغيرهم؛ فامتنعت العرب من قصدهم، وصار للروم الهيبة العظيمة في قلوب المسلمين. وأراد أن يحصر انطاكية وحلب؛ فبلغه أن أهلها قد أعدوا الذخائر والسلاح وما يحتاجون إليه فامتنع من ذلك؛ واكتفي بما حصل عليه من مال عظيم قدمه له أهل انطاكية. كما عمل (قرعويه) حاكم حلب على مصانعة ملك الروم بمال وفير. وسير ملك الروم سرية كبيرة إلى الجزيرة، فبلغوا (كفرتوتا) ، ونهبوا وسبوا وأحرقوا؛ وعاد ملك الروم إلى بلاده، ومعه من السي نحو مائة ألف رأس، رم باخذ إلا الصبيان والصبايا والشبان، فأما الكهول والشيوخ والعجائز، فمنهم من قتله، ومنهم من أطلقه. لم تكن هذه الأعمال إلا مقدمة لأعمال اكثر تطورا؛ فعندما قام الروم بغزو ساحل بلاد الشام، اتفقوا مع أهل (حصن لوقا - وهم نصاري) على أن يرتحلوا منه إلى انطاكية، وأن يتظاهروا بأنهم إنما انتقلوا منه خوفا من الروم. فإذا صاروا بأنطاكية أعانوهم على فتحها. وانصرف الروم عنهم بعد