لقد ارتبط تاريخ الأتراك السلاجقة بالصراع على الجبهة الداخلية لتوحيد جهود المسلمين السنة ضد المذاهب المختلفة - وخاصة ضد الشيعة الفاطميين. وعلى الجبهة الخارجية بالجهاد في سبيل الله - ضد الروم خاصة. ففي سنة 446 ه = 1054 م. سار طغرل بك إلى أذربيجان وقصد تبريز، حيث أعلن حاكمها الخضوع و حل إليه ما أرضاه، وأعطاه ولده رهينة. وفعل مثل ذلك في عدد من الأقاليم؛ ثم سار إلى ارمينية، و قصد (ملاز کرد) التي كانت تحت حكم الروم؛ فحصرها وضيق عليها. ونهب ما جاورها من البلاد وأخربها، فأرسل اليه صاحب دياربکر - نصر الدولة بن مروان - الهدايا الكثيرة والعساكر؛ وكان قد خطب له قبل هذا الوقت وأطاعه - وأنجز طغرل بك في غزو الروم انجازات عظيمة، ونال منهم من النهب والقتال والقتل والأسر شيئا
كثيرة، وبلغ في غزوته هذه الى - أرزن - ثم عاد إلى أذربيجان مع هجوم فصل الشتاء؛ ولم يتمكن من فتح (ملاز کرد) التي كانت مدينة قوية التحصين. وأعلن أنه سيقيم إلى أن ينقضي فصل الشتاء، ثم يعود ليتم غزاته. وتوجه الى الري. فلما كانت السنة التالية: دخل طغرل بك بغداد - في موكب عظيم؛ ومنحه الخليفة لقب (السلطان) وصار يخطب له - بعد الدعاء للخليفة على المنابر -
انصرف طغرل بك لإعادة تنظيم الدولة، بعد أن منحه الخليفة العباسي (القائم بأمر الله) (*) السلطة المطلقة، و كان عليه القضاء على خصوم الدولة العباسية وعلى مراكز
(*) في الكامل في التاريخ - احداث سنة 449 - نص استقبال الخليفة للسلطان طغرل بك - وتكليفه
كما يلي: «جلس الخليفة جلوسا عاما، وحضر وجوه عسكر السلطان طغرل بك وأعيان بغداد و وحضر السلطان في الماء، وأصحابه حوله في السميريات - الزوارق - فلما خرج من السميرية - أركب فرسة من مراكب الخليفة، فحضر عند الخليفة؛ والخليفة على سرير عال من الأرض نحو سبعة أذرع؛ وعليه بردة التي ل وبيده القضيب الخبزران؛ فقبل السلطان الأرض، وقبل يدها وأجلس على كرسي، فقال الخليفة لرئيس الرؤساء؛ قل له: و أن أمير المؤمنين شاكر لعبك؛ حامد الفعلك؛ مستأنس بقربك. وقد ولاك جميع ما ولاه الله من بلاده؛ ورد عليك مراعاة عباده؛ فاتق الله فيا ولاك واعرف نعمته عليك في ذلك، واجتهد في نشر العدل و کف الظلم واصلاح الرعية .. فقبل طغرل بك الأرض، وأمر الخليفة بإفاضة الخلع عليه، فقام إلى موضع لبها نبه، وعاد وقبل يد الخليفة ووضعها على عينيه وخاطه الخليفة ملك المشرق والمغرب, وأعطى العهد وخرج وأرسل إلى الخليفة خدمة كثيرة منها خمسين ألف دينار؛ وخمسين مملوكة أتراكة من أجود ما يكون ومعهم خيولهم وسلاحهم إلى غير ذلك من الثياب وسواها.