بالفرج. فكان يعطي كل انسان منهم ملء قدح؛ ويأخذ لنفسه مثل أحدهم؛ فيجتزيء به يوما وليلة، وهم مع ذلك يقاتلون الكفار، فرزقهم الله النصر عليهم والظفر بهم؛ فقتلوا منهم وأسروا خلقة كثيرة. ثم أن سبکتکين عظم شأنه وارتفع قدره وحسن بين الناس ذكره: وتعلقت الأطاع بالاستعانة به، فأخذ في توسيع حدود دولته على حساب خصومه، واستولى على - قصدار، وبست. فلما فرغ من ذلك عاد وغزا الهند، فافتتح قلاعة حصينة على شواهق الجبال وعاد سالمة ظافرة، ولما رأى ملك الهند جيبال (1) انتقاص بلاده من أطرافها؛ حشد جيوشه؛ وجمع قواته؛ واستكثر من الفيلة. وسار لقتال سبکتکين؛ وقد باض الشيطان برأسه وفرخ. فسار سبكتكين عن غزنة للقائه؛ ومعه جيشه وعدد كبير من المجاهدين المتطوعة، فالتقوا واقتتلوا أياما كثيرة؛ وصبر الفريقان. وجاء الشتاء بصواعقه وأمطاره و برده الشديد؛ حتى ملك الهنود؛ وعميت عليهم المذاهب؛ واستسلموا لشدة ما عاينوه. وأرسل ملك الهند إلى سبکتکين يطلب الصلح، وترددت الرسل؛ فأجابهم إليه بعد امتناع. وتم الاتفاق على مال يؤديه وبلاد يسلمها وخمسين فيلا يحملها إليه. ورهن عند سبکتکين جماعة من أهله حتى يتم تسليم البلاد. وسير معه - سبکتکين - من يتسلمها. فلما ابتعد - جيبال - بجيشه، قبض على من معه من المسلمين؛ وجعلهم عنده عوضا عن رهائنه. فلما علم سبکتکين بذلك؛ جمع جيشه وسار نحو الهند، فأخرب كل ما مر عليه من بلادهم، وقصد - لمغان؛ أو لامغان - وهي من أحسن قلاعهم؛ فافتتحها عنوة، وهدم بيوت الأصنام، وأقام فيها شعار الإسلام. وسار عنها يفتح البلاد ويقتل أهلها، فلما بلغ ما أراده عاد إلى غزنة. فلا علم بذلك الملك - جيبال - سقط في يده، وجمع جنده وسار في مائة ألف مقاتل، فلقيه سبکتکين، وأمر أصحابه أن يتناوبوا القتال مع الهنود، ففعلوا ذلك، فضجر الهنود من دوام القتال معهم؛ وحملوا حملة واحدة. فعند ذلك اشتد الأمر وعظم الخطب؛ وحمل أيضا المسلمون جميعهم؛ واختلط بعضهم بعض؛ فانهزم الهنود 1 وأخذهم السيف من كل جانب، وأسر منهم ما لا يعد، وغنم أموالهم وأثقالهم ودوابهم الكثيرة؛ وذل الهنود بعد هذه الوقعة؛ ولم يكن لهم بعدها راية، ورضوا بأن لا يطلبوا
(1) في ابن خلدون (جبال) وليس جيبال كما في ابن الأثير