نموذج مصغرة لما سيسفر عنه تطور الصراع على مختلف الجبهات. تأتي بعد ذلك حروب الوراثة - مثل تلك التي وقعت بين الأمين والمأمون - (1) لتشكل نموذجا آخر للحروب بين مراكز القوى بعضها ضد بعض. ولقد وقع بعض حروب الوراثة هذه بين العباسيين ذاتهم. فيما وقعت حروب أخرى بين مراكز القوى بعضها ضد بعض. ولقد كانت مراكز القوى هذه بدورها تطورة لماذج (البرامكة) و (للحرب بين المدن) . لقد تحرك الشرق الأسيوي بعنف كبير مع قيام الدولة العباسية، ونهضت شعوب مختلفة من رقادها وقد أيقظ فيها الإسلام روحة جديدة ومفاهيم جديدة، وجاءت هذه الشعوب من فرس وترك وأكراد وديلم وسواها لتأخذ دورها في بناء الدولة الإسلامية. ولم تفهم هذه الشعوب جميعها دين الإسلام فها واحدة، وساعد في سوء هذا الفهم انتشار دعوات متنوعة - استندت في كثير من الأحيان على أفكار وثنية أو جاهلية. فكان الاحتكاك بين هذه الشعوب والصراع فيما بينها من طبيعة الأمور، وهو يشابه إلى حد ما موقف الشعوب البرابرة التي اجتاحت أوروبا في القرون الأولى التي عاشت مهد المسيحية، ثم قامت هذه الشعوب رغم اعتناقها المسيحية بتدمير دولة المسيحية - الرومان في ايطاليا .. وهنا أيضا؛ كان للجند دورهم الأساسي البناء والمدمر في آن واحد، فهم قد عملوا على حماية الإسلام والدفاع عنه، إلا أنهم في الوقت ذاته أثاروا حروب وصراعات داخلية لا نهاية لها. ولقد استطاع خلفاء بني العباس في الصدر الأول من عهدهم مجابهة كافة الانحرافات، والقضاء على كافة الثورات وأعمال التمرد، ببعض من الجهد. كما أمكن لهم استيعاب الاحتكاكات بين جند الشعوب المختلفة واستيعابها في جند واحد يخضع للخلافة والقادة الذين يعينهم الخليفة، ولكن ومع انتهاء الصدر العباسي الأول أصبح الأجناد هم الذين يتحكمون - عن طريق قادتهم، بدار الخلافة. وصارت مراكز القوي، تفرض وجودها بقوة السلاح قبل أن تحصل على اعتراف الخليفة بها. وكان باستطاعة الخليفة على كل حال، حجب اعترافه وثقته بهذه المراكز - إن هو وجدها منحرفة عن الدين الإسلامي أو متجاوزة الحدوده. وقد تم ذلك في مرات كثيرة. فكان حجب الثقة عن مثل هذه المراكز،
(1) انظر قراءات في آخر الكتاب (خلفاء بني العباس) .