فقتل كل من شهد ذلك المشهد إلا الشاذ، ثم انصرف إلى قصر عيسي بن جعفر بالخريبة فأقام فيه، واندلعت النيران في سائر أنحاء البصرة، فيما بقي القتل مستمرة في أهلها، الذين ارتفع ضجيجهم وهم يقتلون، فكانت أصوات التشهد تسمع من مكان بعيد. وأحرق المسجد الجامع. وسارت النار تحرق كل شيء نمر به من إنسان و بهيمة وأثاث ومتاع؛ فيما استمر الزنج خلال الأيام التالية بالبحث عن المختبئين واستخراجهم فمن كان ذا مال، استصفي ماله وقتل، ومن كان معدمة عوجل بقتله. وجاء إلى الخبيث صاحب الزنج قوم من العلوية الذين كانوا بالبصرة - منهم على بن أحمد ابن عيسي بن زيد، وعبدالله بن علي في جماعة من نسائهم وحرمهم. فلما جاؤوه ترك الانتساب إلى أحمد بن عيسى، وانتسب إلى بحي بن زيد - ولكن المسلمين عرفوا كذب انتسابه، لأن يجي لم بعقب إلا بنتا ماتت وهي ترضع. وعندما لم يبق من البصرة إلا الرماد، أمر صاحب الزنج قواته بترکها وانسحب منها. ترددت أصداء حريق البصرة قوية في أرجاء بلاد المسلمين، وفزع الناس وثارت مشاعرهم، لما قام به الزنج من أعمال وما ارتكبوه من جرائم وحشية، ووجه أمير المؤمنين قوة لحرب الزنج بقيادة محمد المعروف بالمولد، فسار هذا إلى الأبلة، واجتمع من أهل البصرة خلق كثير ممن كان قد نجح في الهرب من المذيعة، وتولى قيادتهم رجل اسمه - برية - فسار بهم الى نهر الغوثي. ولما علم صاحب الزنج بقدوم محمد المولد وقوته، كتب إلى بحي بن محمد البحراني، وأمره بمحاربة هذا الجيش، فسار بجي و حارب محمد المولد عشرة أيام. ثم نظم إغارة واستمر القتال في اليوم التالي حتى العصر، ثم انتصر الزنج، ودخلوا المعسكر فغنموا ما فيه، وقاموا بمطاردة محمد وجيشه. وعمل الزنج أثناء المطاردة على انتهاب الحوانيت التي كانت في طريقهم، ثم عادوا فمروا بقرية - الجامدة - فأوقعوا بأهلها، وانتهبوا كل القرى التي مروا بها، وسفكوا ما تمكنوا من سفكه من الدماء، واستمروا في سيرهم حتى وصلوا نهر معقل، فأقاموا
جاءت سنة 258 ه = 871 م وهي تحمل معها المزيد من الأحداث المثيرة في ثورة الزنج؛ فقد أصدر الخبيث صاحب الزنج أمره الى قائده - علي بن أبان - بالتوجه