العباس، فلما رآها الزنج، ألقوا أنفسهم في الماء جملة، فعبروا إلى الجانب الشرقي. ولم يبق مع بيجي إلا بضعة عشر رجلا، فنهض يحي عند ذلك، فأخذ درقته وسيفه، واحتزم منديله، وتلقى القوم الذين أقبلوا عليه، وبدأ الاشتباك بالتراشق بالسهام. وأصيب يحي البحراني بأسهم ثلاثة في عضده وساقه اليسرى، فحمله أصحابه إلى الجانب الشرقي من النهر، وأثقلت يجي الجراحات التي أصابته. فلما رأى الزنج ما نزل به اشتد جزعهم، وضعفت قلوبهم، فتركوا القتال، وحاز جند أمير المؤمنين الغنائم التي كانت في السفن بالجانب الغربي من النهر، فلا حووها، أقعدوا في بعض تلك السفن النفاطين، وعبروهم إلى شرقي النهر، فأحرقوا ما كان هناك من السفن التي كانت في أيدي الزنج. وانفض الزنج عن يحي، فجعلوا يتسللون بقية نهارهم، بعد قتل فيهم ذريع، وأسر كثير. فلما أمسوا وأسدف الليل، طاروا على وجوههم. وحاول يحي بن محمد الأزرق البحراني التسلل والهرب، فعرفه قوم، وسلموه إلى أبي أحمد، الذي حمله إلى أمير المؤمنين المعتمد بسامرا، فأمر ببناء دكة بالخير، ثم رفع للناس حتى أبصروه. وجلس المعتمد من غد، فضرب يحب بين يديه مائتي سوط، ثم قطعت يداه ورجلاه من خلاف، ثم خبط بالسيف، ثم ذبح ثم أحرق (*)
لم يستقر جيش أمير المؤمنين طويلا في معسكره - بجوار نهر ابي الأسد، فقد انتشرت الأوبئة بين جنده، وفشا فيهم الموت، فانتظر قائد الجيش- أبو أحمد بن المتوكل -
حتى أبل من نجا من الجند من علته، ثم انصرف بجيشه راجعا إلى - باذاورد .. فعسکر به، وأمر بتجديد الآلات، وإعطاء من معه من الجند أرزاقهم، وإصلاح السفن والمعابر، وشحنها بالقواد من مواليه وغلانه، ثم نهض نحو معسكر الخبيث
(*) لما علم صاحب الزنج بقتل قائده يحي قال: «عظم علي قتله، واشتد اهتمامي به، فخوطبت فقيل لي: قتله خير لك، إنه كان شرها، ثم أقبل على جماعة كنت أنا فيهم. وكان من شرهه أنا غنمنا غنيمة من بعض ما كنا نصيبه، فكان فيه عقدان، فوقعا في يد يحي، فأخفى عني أعظمها شأنأ، وعرض علي أخسها، واستوهبنيه فوهبته له، فرفع في العقد الذي أخفاه فدعوته فقلت: أحفر في العقد الذي أخفيته، فأثاني بالعقد الذي وهبته له. وجحد أن يكون قد أخذ غيره، فجعلت أصف له العقد الآخر، فبهت وذهب فأتاني به واستوهبنيه فوهبته له. وأمرته بالاستغفار، وذكر أن قائد الزنج قال في بعض أيامه: لقد عرضت على النبوة فأبيتها، لأن لها أعباء خفت ألا أطيق حلها.