موجود، فإن هو نزع عما هو عليه من الأمور التي بسخطها الله، ودخل في جماعة المسلمين، محا ذلك ما سلف من عظيم جرائمه، وكان له الحظ الجزيل في دنباه،. أرسل أبو أحمد كتابه هذا مع رسوله إلى الخبيث، والتمس الرسول ايصاله، فامتنع أصحاب الخبيث من ايصال الكتاب، فألقاه الرسول اليهم، فأخذوه وأتوا به إلى الخبيث، فقرأه، فلم يزده ما كان فيه من الوعظ، إلا نفورة وإصرارة، ولم يجب عن الكتاب بشيء، وأقام على اغتراره، ورجع الرسول إلى أبي أحمد فأخبره بما فعل، وأقام أبو أحمد زهاء اسبوع وهو مشغول بتجهيز السفن والزوارق وتنظيم القوات، وتخير الرماة وترتيبهم، ثم سار بجيشه، ومعه ابنه أبو العباس الى مدينة الخبيث - التي سماها المختارة وتقع على نهر أبي الخصيب. فأشرف عليها وتأملها، فرأي من منعتها وحصانتها بالسور والخنادق المحيطة بها، وما تم تخريبه من الطرق المؤدية إليها، وكذلك ما تم إعداده من المجانيق والعرادات وسائر الآلات التي جهزت بها الأسوار الحمايتها والدفاع عنها، مما لم ير مثله ممن تقدم من الخارجين على أمير المؤمنين. وأمر أبو أحمد ابنه أبا العباس بالتقدم إلى سور المدينة، ورشق من عليه بالسهام، ففعل ذلك، ودار اشتباك عنيف، وأصابت الجراح جند الطرفين، واستمر الاشتباك إلى الليل. وكان جيش أبي أحمد يضم خمسين ألف رجل، والفاسق يومئذ في زهاء ثلاثمائة ألف إنسان، كلهم يقاتل ويدافع، فمن ضارب بسيف وطاعن برمح وقاذف بمقلاع ورام بعرادة. او منجنيق، وأضعفهم أمر الرماة بالحجارة عن أيديهم وهم النظارة المكثرون السواد، والمعتنون بالنعير والصباح، والنساء بشر كنهم في ذلك.
أقام أبو أحمد معسكره بإزاء مدينة الفاسق، وأمر فنودي أن الأمان مبسوط للناس، أسودهم وأبيضهم، إلا الخبيث، وأمر بسهام فعلقت فيها رقاع مكتوب فيها من الأمان مثل الذي نودي به، ووعد الناس فيها الإحسان، ورمي بها إلى معسكر الخبيث، فالت إليه قلوب أصحاب المارق بالرهبة والطمع في وعدهم من إحسانه وعفوه، وأتاه جمع كثير. وعرف أبو أحمد أن أمره سبطول، فأمر ببناء المدينة - التي حملت اسم الموفقية - وحملت اليها المواد التموينية والأرزاق، وأقبل التجار بصنوف التجارات والأمتعة، واتخذت الأسواق فعمرت المدينة بسرعة. كل ذلك، والاشتباكات والاغارات مستمرة، وحاول صاحب الزنج في احدى هجماته الوصول إلى