المواد التموينية في معسكر جوهر، وعدمت الأقوات، وكان الزمن شتاء، مما أرغم جند جوهر على أكل الميتة. وكان جوهر پراسل - الفتكين - ويدعوه إلى الاتفاق والتفاهم، والطاعة، مقابل تقديم وعود كثيرة واغراءات وفيرة، فكان الفتكين يرغب في مثل ذلك، إلا أن القرمطي كان يمنعه من القبول ويخوفه من الاتفاق مع جوهر. وعندما زادت الشدة على جوهر ومن معه حتى وصل الأمر إلى حد الهلاك، كتب إلى - الفتكين - وطلب الاجتماع به، والتقيا راكبين، فقال له جوهر: وقد عرفت ما يجمعنا من عصمة الاسلام وحرمة الدين، وقد طالت هذه الفتنة، وأريقت فيها الدماء ونهبت الأموال، ونحن المؤاخذون بها عند الله تعالى. وقد دعوتك إلى الصلح والطاعة والموافقة، وبذلت لك الرغائب، فأبيت إلا القبول من يشب نار الفتنة، فراقب الله تعالى، وراجع نفسك، وغلب رأيك على هوى غيرك، فرد عليه الفتكين: «أنا والله واثق بك في صحة الرأي والمشورة منك، لكنني غير متمکن مما تدعوني إليه بسبب القرمطي الذي أحرجتني أنت إلى مداراته والقبول منه» . فقال جوهر: «إذا كان الأمر على ما ذكرت، فإني أصدقك الحال تعديلا على أمانتك، وما أجده من الفتوة عندك. لقد ضاق الأمر بنا، وأريد أن تمن علي بنفسي ومن معي من المسلمين. وأعود إلى صاحبي شاكرة لك، وتكون قد جمعت بين حقن الدماء واصطناع المعروف .. فأجابه إلى ذلك، وحلف له على الوفاء به. وعاد الفتكين واجتمع بالقرمطي، وأعلمه بما تم الاتفاق عليه. فقال له القرمطي: القد أخطأت، فان جوهرة له رأي وحزم ومكيدة، وسيرجع إلى صاحبه، فيحمله على قصدنا بما لا طاقة لنا به - والصواب أن ترجع عن ذلك ليموتوا جوعا، ونأخذهم بالسيف .. فامتنع الفتكين عن الأخذ برأيه. وقال للقرمطي: الا أغدر به، وأذن الجوهر ولمن معه بالمسير إلى مصر.
ما إن وصل جوهر إلى مصر، حتى أجتمع بالعزيز بالله - إذ كان المعز لدين الله قد توفي في تلك الفترة - وشرح له ما حدث معه، وقال له: «إن كنت تريدهم فاخرج إليهم بنفسك وإلا فانهم واصلون على إثري .. فخرج العزيز وجمع الرجال، وفرق الأموال وسار نحو بلاد الشام، وجوهر على مقدمته. فلما علم - الفتكين - والقرمطي