يمكن بعد ذلك تجاوز ما وقع على أرض - افريقية - من صراعات بين مراكز القوى المختلفة وكذلك ما وقع منها على أرض بلاد الشام، للتوقف قليلا على ما حدث في مصر ذاتها - سنة 397 ه = 100 م، مما كان له علاقة مباشرة بجام مصر. ففي هذه السنة، عظم أمر الوليد - الذي عرف بلقب أبي ركوة - لأنه كان يحمل معه ركوة في أسفاره اقتداء بسنة الصوفية - وهو من ولد هشام بن عبد الملك بن مروان - ويقرب في النسب من المؤيد هشام بن الحاكم الأموي أمير الأندلس. وكان أبو ركوة هذا قد هرب من الأندلس عندما سبطر الحاجب المنصور بن أبي عامر على حكم الأندلس، واحتجز المؤيد وأخفاه عن الناس وتتبع أهله من بني أمية ممن يصلح منهم للملك فقتل من استطاع قتله منهم وهرب الباقون فتشردوا - ومنهم أبو ركوة الذي لم يكن عمره يومها اكثر من عشرين عاما. فسار إلى مصر، وكتب الحديث، ثم سار إلى مكة واليمن، وعاد إلى مصر، ودعا بها إلى الخليفة العباسي القائم بأمر الله. وكانت الظروف في مصر مهياة القبول مثل هذه الدعوة، فقد أسرفي الحاكم بأمر الله في قتل القادة وحبسهم ومصادرة أموالهم والتضييق عليهم، فأصبحت القبائل في حالة شديدة من العسر والضنك، وباتت وهي على استعداد للتمرد والثورة بعد أن امتدت بد الخام بأمر الله إلى شيوخ هذه القبائل ورجالها بالقتل والحبس. واستجاب - بنوقرة قبل سواهم لدعوة - أبي ركوة - ثم تبعتهم قبائل أخرى كان العداء مستحكما بينها، ثم جاء ظلم الحاكم بأمر الله ليدفعها نحو الصلح والتعاون ضد الحاكم بأمر الله(وهكذا زال العداء بين زناتة وبين بني قرة، وترك رجال القبيلتين وراء ظهورهم ما كان بينهم من
حروب، وما كان يفصل بينهم من دماء). وأقام - أبو ركوة - في وسط بني قرة، وانصرف لتعليم الخط والدين لصبيانهم، وعرف رجال بني قرة ما كان عليه أبو ركوة من الصلاح والنسك، فعهدوا إليه أن يكون الأمام في صلواتهم. وشرع أبو ركوة في دعوتهم للعمل ضد الحاكم بأمر الله، فاستجابوا له، وبايعوه، واتفقوا عليه، وخاطبوه. هم وزناتة - بالإمامة. وكانوا بنواحي برقة. فلما علم حاکم برقة - الوالي - بأمر أبي ركوة، كتب إلى الحاكم بأمر الله، واستأذنه في التوجه لحربه، فمنعه من ذلك. ولم يمهله