فقتل من أهل المنصورية ورقادة خلق كثير. فلما رأى ذلك المعز، سمح لهم بدخول القيروان للحصول على ما يحتاجون إليه. فلا دخلوا استطالت عليهم العامة ووقعت بينهم معركة، وحاصرت العرب القيروان. واستولى - مؤنس بن يحي - على مدينة باجة. وطلب المعز إلى الرعية بالانتقال إلى المهدية لعجزه عن حمايتهم من العرب. وشرعت العرب في هدم الحصون والقصور وقطع الثمار وتخريب الأنهار، فيما كان المعز والناس ينتقلون إلى المهدية حتى سنة 449 ه = 1057 م. ودخلت العرب القيروان فنهبوها. وعظم شأن العرب، واشتركوا مع بلكين في حرب زناتة سنة 450 ه. فانهزمت زناتة وقتل منها عدد كثير. ثم وقعت الحرب بين العرب وبين هوارة سنة 53 ه. فانهزمت هوارة وقتل منها الكثير. وتمكن المستنصر بذلك من اشغال المعز ابن باديس بنفسه، وصرفه عن التفكير بالتعرض له.
لقد أفاد المستنصر من قوة العرب لضرب خصومه في افريقية، كما أفاد منهم للقضاء على خصومه في مصر ذاتها، على نحو ما حدث سنة 443 ه = 1051 م. عندما أعلن بنوقرة تمردهم على المستنصر، وأقاموا بالجيزة - مقابل القاهرة - وتظاهروا بالفساد. فوجه إليهم المستنصر بالله جيشا لقتالهم، لكن بني قرة انتصروا على هذا الجيش، واكثروا فيه القتل، ثم انتقلوا إلى طرف البر. وعظم الأمر على المستنصر بالله، وجمع العرب من طيء وكلب وغيرهما وسيرهم في أثر بني قرة، فلحقوا بهم عند - البحيرة - فقاتلوهم، واشتدت الحرب، وكثر القتل في بني قرة، وانهزموا. وعاد الجند إلى مصر، وتر کوا قوة كافية في مقابل بني قرة، لمجابهتهم إذا ما حاولوا مرة أخرى التعرض للبلاد وأهلها.
لم يلبث الخصم الأول للمستنصر بالله - وهو حاكم افريقية المعز بن باديس - (*) أن
(*) المعز بن باديس الصنهاجي - أمير افريقية (398 - 53 ه 10070 - 1091 م) . كانت مدة ملکه سبعة وأربعين سنة، عرف عنه أنه رقيق القلب، خاشع، منجنب لسفك الدماء إلا في اقامة الحدود، حليم يتجاوز عن الذنوب العظام، حسن الصحبة مع عبيده وأصحابه. مکرم لأهل العلم، كثير العطاء لهم. ولما مات رناه الشعراء، فمنهم أبو الحسن بن رشيق - الذي قال: لكل حي وإن طال المدي هلك لا عز ملكة يبقي ولا ملك