وذلك أنه بلغه أن ملك الروم يريد الخروج في أثره لأخذ مؤخرات الجيش والغدر بها. وقضى على الطريق الرئيسي مرحلة، ثم رجع إلى عمورية، وأمر الناس بالرجوع؛ ثم عدل اتجاه سيره، فسلك وجيشه طريق وادي الجوز، وفرق الأسرى على القواد، ودفع إلى كل قائد من القواد طائفة منهم للمحافظة عليهم؛ وفرقهم القواد على أصحابهم؟ فساروا في طريق المسافة أربعين ميلا، وهو طريق ليس فيه ماء. وتعرض الجند المعاناة صعبة. وتقدم المعتصم فحمل ومجموعة من جنده الماء خشية أن يهلك الجند عطشا. وحاول بعض الأسرى الإفادة من وعورة الطريق وصعوبة التموين لإحداث الاضطراب. فأمر المعتصم بقتلهم؛ فقتل ستة آلاف رجل في موضعين من وادي الجوز. ورحل المعتصم من ذلك الموضع؛ يريد الثغر حتى دخل طرسوس. و كان قد نصب له الحياض من الأدم حول العسكر من الماء إلى العسكر، بعمورية، والحياض مملوءة، والناس يشربون فيها؛ لا يتعبون في طلب الماء
لقد استمرت هذه الحملة لمدة خمسة وخمسين يوما. وكان عدد جند المسلمين - في ذكره الشاعر أبو تمام تسعين ألفا، فيما كان جيش الروم قد زاد على مائة ألف. وقد أظهر الطرفان المتصارعان روحة هجومية عالية، وإرادة للقتال. غير أن ادارة الحرب في معسكر المعتصم كانت متفوقة بوضوح.
توفي المعتصم سنة 227 ها = 841 م. وتوفي ملك الروم (توفيل) في السنة ذاتها. وتم تنصيب امرأته (تذورة) وابنها ميخائيل بن توفيل الذي كان صبية - على عرش مملكة الروم. وشهدت جبهة الصراع مع الروم - البيزنطيين - عودة للهدوء النسي. وتميزت هذه الفترة بحدوث ما كان يتكرر حدوثه في مثل هذه الفترات مثل تبادل الأسرى، أو ما كان يعرف بعملية (الفداء بين المسلمين والروم) . ففي سنة 231 ها = 840 ما وصل إلى أمير المؤمنين (الوائق) رسول من قبل ملك الروم (ميخائيل بن توفيل) يسأله أن ينادي بمن في يده من أسارى المسلمين. ووافق (الوائق) وحدد يوم عاشوراء (العاشر من المحرم) موعدا للفداء. ثم عقد (الوائق) لأحمد بن سعيد بن سلم